الأرض والبحر.. معركة الإنتاج التي يقودها السقطري في زمن الحرب

الأرض والبحر.. معركة الإنتاج التي يقودها السقطري في زمن الحرب

بقلم: نبيل غالب

لم تعد الزراعة والثروة السمكية في اليمن مجرد قطاعين خدميين. في زمن الحرب والحصار وارتفاع الأسعار، تحولا إلى خط الدفاع الأول عن كرامة المواطن ولقمة عيشه. وهنا يبرز الدور الذي تقوم به وزارة الزراعة والري والثروة السمكية بقيادة اللواء الركن سالم عبدالله السقطري، والكوادر المؤهلة بالوزارة، في قيادة "معركة الإنتاج" التي لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى.

أهم ما يميز هذه المرحلة هو الانتقال من "عقلية الإغاثة" إلى "عقلية التنمية". لم تعد الوزارة تكتفي بتوزيع بذور وأسمدة موسمية، بل بدأت تضع حجر الأساس لبنية تحتية زراعية وسمكية مستدامة تبقى للأجيال القادمة. القيادة الميدانية للوزير تقولها بوضوح: الحل ليس في صناديق الإغاثة، الحل في أن نزرع بأيدينا ونصطاد من بحرنا وننتج لغذائنا. وتتركز الرؤية على ثلاثة محاور متلازمة: الاستدامة، الشراكة مع المنظمات الدولية، ووضع "الإنسان أولاً" أي المزارع والصياد باعتبارهما صانعي الأمن الغذائي الحقيقي.

اليمن بلد لا يشبه غيره. يملك أطول ساحل في المنطقة، ووديان خصبة، وبن مدر، وعسل سدر، وأسماك نادرة لا توجد إلا في مياهنا. ومع ذلك نستورد أكثر من 80% من غذائنا. هذا التناقض الصارخ هو ما تحاول الوزارة معالجته اليوم. في البر، التوجه نحو تأهيل أنظمة الري وحصاد مياه الأمطار والسيول لم يعد رفاهية بل مسألة حياة أو موت للزراعة في ظل شح المياه. الهدف هو إحياء المدرجات الزراعية القديمة التي اشتهر بها اليمني منذ آلاف السنين، ودعم المحاصيل التي هي جزء من هويتنا مثل البن والذرة والدخن والتمور، بدل أن تندثر تحت وطأة الاستيراد.

وفي البحر، الرهان على تحويل سواحلنا من مناطق صيد تقليدي إلى منظومة اقتصادية متكاملة. من تأهيل مراكز الإنزال وتوفير متطلبات الصياد، إلى إنشاء سلاسل تبريد وتخزين، وصولاً إلى فتح أسواق للتصدير. هدفنا أن يتحول الصياد اليمني الذي ورث المهنة أباً عن جد، من بائع متجول إلى شريك في اقتصاد وطني يرفد الخزينة بالعملة الصعبة ويوصل سمك البحر العربي وخليج عدن إلى موائد العالم.

طبعاً التحدي الأكبر يبقى في الاستمرارية. الشراكات مع المنظمات الدولية في مجالات البذور المحسنة وتمكين المرأة الريفية وتحسين السلالات كلها خطوات جيدة، لكن الفيصل هو أن نبني قدراتنا الذاتية. أن ننشئ قواعد بيانات مائية ومناخية، ونؤهل كوادرنا، ونربط البحث العلمي بالحقل. النجاح الحقيقي سيقاس بعدد المزارعين الذين استغنوا عن المساعدات، وبعدد المنتجات اليمنية التي عادت لتنافس في السوق المحلي والخارجي بهويتها وجودتها.

قول الوزير السفطري، "معركتنا هي معركة الإنتاج" ليس شعاراً عابراً. هو اعتراف بأن لا أمن سياسي ولا استقرار بدون أمن غذائي. التحديات كبيرة والإمكانيات ضعيفة، لكن الرهان على الأرض والبحر هو الرهان الوحيد المتبقي لنا. إذا راهنت الدولة على المزارع والصياد كما تراهن على غيرهم، وقدّمت لهم الحماية والتسويق والبنية التحتية، فسنكون أمام يمن جديد.. يمن يستعيد هويته الزراعية والسمكية، يزرع بنه ويصطاد من بحره ويكتفي.

للتأمل:

الأرض التي أطعمت الحضارات لا يمكن أن تموت جوعاً، والبحر الذي صدّر البخور لا يمكن أن يعجز عن إطعام أهله.