من براقات كلية التربية إلى شقة عمر المختار

كان عام 1978 هو الباب الذي دخلت منه إلى مرحلة لم أكن أعرف يومها أنها ستعيد تشكيل حياتي كلها. وصلت إلى عدن قادمًا من بيحان- (فأنا من أبناء ما كان يُعرف بالمحافظة الرابعة)- حاملاً حقيبة صغيرة، وبعض الملابس، وكثيرًا من الطموح، وقليلًا من المال الذي لا يكاد يكفي إلا لأيام معدودة.

التحقت بكلية التربية العليا في عدن، وكان اسمها وحده يملأ النفس اعتزازًا. كنت أرى في الكلية أكثر من مكان للدراسة؛ كنت أراها بوابة إلى المستقبل، وفرصة لأن أصبح مدرسًا للغة الإنجليزية، وأن أعود يومًا إلى بيحان وأنا أحمل شهادة تفتح لي أبوابًا لم تكن مفتوحة أمام أبناء جيلي بسهولة.

ولأنني كنت من أبناء المحافظة الرابعة، فقد كان لي حق السكن في "البراقات" الملحقة بمبنى الكلية. وما أدراك ما البراقات! كانت مباني قديمة متهالكة، قيل لنا إن البريطانيين شيدوها قبيل الحرب العالمية الثانية. جدرانها الخشبية وأسقفها الحديدية تحمل آثار السنين، وأبوابها تصرّ كلما فُتحت أو أُغلقت، ونوافذها تبدو وكأنها تتساءل هي الأخرى: إلى متى سنظل واقفين؟

لكننا لم نكن نملك ترف الاختيار. كانت تلك العنابر بالنسبة إلينا بيتًا، حتى لو كانت لا تشبه البيوت في شيء. أما الحمامات فلها حكاية أخرى. كانت جماعية، وأبوابها لا يمكن إغلاقها من الداخل. وكان بين الطلاب من يحرص على إبقائها على هذه الحال، وكأن الأمر جزء من تقاليد السكن الجامعي! وكان كثيرو الحياء يتحاشون دخولها، بينما كان آخرون يرون في الأمر فرصة للمزاح والمقالب. كنا نضحك على أحوالنا كي لا نبكي منها.

كان الفقر يجعل الإنسان مبتكرًا، والحرمان يجعله قادرًا على تحويل المصيبة إلى نكتة. فإذا انقطع الماء، ابتكرنا حلولًا. وإذا تعطل شيء في البراق، اجتمعنا حوله كأننا لجنة هندسية دولية. وإذا ضاقت بنا الغرفة، حاول كل واحد أن يقنع الآخر بأن النوم واقفًا ربما يكون أكثر صحة!

لكن المشكلة الأكبر لم تكن السكن، بل الطعام. لم تكن الكلية توفر لنا الطعام بصورة منتظمة، ولذلك كنا نضطر إلى الخروج بحثًا عن وجبة رخيصة تسد الرمق. كانت "الشابات" في خور مكسر أحد الأماكن التي نقصدها، وكنا نذهب إليها جماعات، نمشي في الشوارع ونحن نتحدث عن المحاضرات والامتحانات والدرجات، ثم لا يلبث الحديث أن يتحول إلى السؤال الأبدي:

"أين سنتغدى اليوم؟"

وأحيانًا كنا نذهب إلى المعلا، إلى مطعم ناصر، حيث كانت الوجبة الشهيرة: أرز صيادية وقارورة ماء "بانيس"، وكل ذلك بشلن واحد! كان ذلك الشلن بالنسبة إلينا وجبة كاملة، بل ربما كان ميزانية يوم كامل. ومع ذلك، لم تكن الحياة كلها شقاءً. كانت عدن في تلك السنوات مدينة نابضة بالحياة، والكلية عالمًا صغيرًا يجمع شبابًا وفتيات من مختلف المحافظات والمناطق. وكانت الدراسة مختلطة، وهذه وحدها كانت كافية لتجعل بعض الشباب يهتمون بمظهرهم أكثر مما ينبغي. أما أنا، فقد كنت واحدًا منهم، وإن كنت لا أعترف بذلك بسهولة في ذلك الوقت!

كنا نخرج إلى المحاضرات بعد أن نرتب ملابسنا، ونسرح شعورنا، ونتأكد من أن القميص مكوي، وأن الحذاء لامع، وأننا لا نحمل في وجوهنا آثار ليلة قضاها الواحد منا في البراق وسط ضجيج الزملاء.

لم تكن الدراسة المختلطة بالنسبة إلى بعضنا مجرد اختلاط بين الطلاب والطالبات؛ كانت مناسبة يومية لإثبات أن الواحد منا يستطيع أن يبدو أفضل مما هو عليه! 

ومع مرور الأيام، بدأت أجد نفسي أكثر ارتباطًا بقسم اللغة الإنجليزية. كنت أحب اللغة، وأستمتع بسماعها والتحدث بها، وكنت أشعر أن الكلمات الإنجليزية تفتح أمامي نافذة على عالم واسع. وفي عام 1980 أصبح تخصص اللغة الإنجليزية تخصصًا منفردًا، فوجدت نفسي في المجال الذي أحبه حقًا. وهناك بدأت قصة لم أكن أتوقع أن تكون أهم من كل محاضراتي وامتحاناتي.

كانت هناك طالبة اسمها شفيقة. في البداية لم تكن علاقتي بها تتجاوز حدود الزمالة. لكنني اكتشفت أنها كانت تعاني كثيرًا في اللغة الإنجليزية، حتى إن بعض الكلمات البسيطة كانت تبدو لها كأنها ألغاز تحتاج إلى حل.

وذات يوم طلبت مني مساعدتها. جلست إلى جواري، وبدأت تسألني عن الكلمات والقواعد والنطق. شرحت لها، ثم أعادت، ثم أخطأت، فضحكت، وضحكت أنا أيضًا، ثم أعدت الشرح. وهكذا بدأت الحكاية. لم أكن أعرف أن الدروس التي كنت أقدمها لها في اللغة الإنجليزية ستصبح دروسًا في شيء آخر لا تدرسه الكتب.

كنت أساعدها في فهم النصوص، وأراجع معها القواعد، وأصحح نطقها. وفي المقابل، بدأت أكتشف شخصيتها: هادئة، ذكية، خجولة أحيانًا، وعنيدة عندما يتعلق الأمر بما تريد. وكان أكثر ما يلفتني أنها لم تكن تستسلم بسهولة. كلما أخطأت في كلمة، عادت وسألت عنها. وكلما أخفقت في اختبار، كانت تعود لتطلب مني أن أشرح لها من جديد. شيئًا فشيئًا، لم تعد لقاءاتنا مرتبطة بالدراسة وحدها. صرنا نتحدث عن المستقبل. كنت أخبرها عن شبوة، وعن أهلي، وعن القرية والناس، وعن أحلامي بعد التخرج. وكانت تحدثني عن أسرتها وطموحاتها.

ثم بدأت ألاحظ شيئًا لم أكن أريد الاعتراف به. كنت أبحث عنها بعيني قبل أن تبدأ المحاضرة. وإذا دخلت القاعة ولم أرها، شعرت أن شيئًا ناقصًا. وإذا وجدتها، بدا اليوم أجمل. وفي إحدى المرات، قالت لي وهي تبتسم:

"أنت تساعدني في الإنجليزية كثيرًا."

قلت لها: "لأنني أريد أن تنجحي."

فقالت: "ولماذا تريد أن أنجح أنا بالذات؟"

لم أعرف بماذا أجيب. كان السؤال بسيطًا، لكنه وضعني في مأزق لم تنقذني منه كل قواعد اللغة الإنجليزية التي أعرفها. ابتسمت فقط. وفهمت شفيقة الإجابة. منذ ذلك اليوم صار بيننا سر لا يحتاج إلى كلمات. لكن الحب في تلك الأيام لم يكن أمرًا سهلًا. كان علينا أن نحسب كل شيء: الأسرة، والسمعة، والتقاليد، والدراسة، والتعيين، والسكن، والمستقبل. ولم يكن يكفي أن يقول شاب لفتاة إنه يحبها، أو أن تقول له إنها تبادله الشعور. كان لا بد أن يجد الحب طريقًا يمر من بين كل هذه الجدران. وحين اقترب موعد التخرج، بدأ القلق يزداد. كنت أريد الزواج من شفيقة، لكن أهلها كانوا يرون أن الزواج يجب أن يأتي بعد انتهاء الدراسة، وبعد الحصول على وظيفة، والأهم أن يكون التعيين داخل عدن. وهذا الشرط الأخير كان أشبه بجدار مرتفع. فأنا من أبناء م/الرابعة، ومن الطبيعي أن يكون تعييني في محافظتي الريفية المحتاجة الى معلمين. أما الحصول على وظيفة داخل عدن، فكان يحتاج إلى حظ، وإلى علاقات، وإلى وساطة، وربما إلى شيء من المعجزات.

بدأت المفاوضات العائلية. كان كل طرف يحاول أن يشرح موقفه. أهلي كانوا يرون أن الدراسة أولًا، وأن الزواج مسؤولية تحتاج إلى دخل وسكن واستقرار. وأهل شفيقة كانوا يقولون إنهم لا يريدون أن يقفوا ضد مستقبل ابنتهم، لكنهم أيضًا لا يريدون أن يزوجوها ثم تذهب إلى مكان بعيد لا يعرفون عنه شيئًا. أما أنا، فكنت أرى أن الوقت يمضي وأنني قد أفقد شفيقة إذا ظللت أنتظر الظروف المثالية. وفي تلك الأيام حدث ما لم أكن أتوقعه.

دخل عم شفيقة على الخط. كان يعمل في وزارة الإسكان، وكان يعرف أن الحصول على شقة في ذلك الزمن ليس أمرًا بسيطًا. لكنه كان رجلًا عمليًا، ويعرف كيف يفتح الأبواب المغلقة، أو على الأقل كيف يطرقها بالطريقة الصحيحة.

قال لي ذات مساء: "إذا كنت جادًا في الزواج، فلابد أن نبحث عن حل للسكن."

قلت: "السكن هو نصف المشكلة."

ابتسم وقال: "بل ربما هو نصف الحل."

وبدأت رحلة أخرى. مراجعات، وأوراق، وطلبات، وانتظار، ثم مراجعات أخرى. كنت أتنقل بين الدوائر وأنا أحمل ملفًا يكاد يصبح فردًا من أفراد الأسرة. كلما سألت عن الطلب قيل لي:

"تعال غدًا."

وكان "غدًا" في الدوائر الحكومية آنذاك يمكن أن يعني غدًا فعلًا، أو الأسبوع المقبل، أو الشهر المقبل، أو عندما تتغير الحكومة!

لكن عم شفيقة لم يستسلم. وبعد جهد ووساطات واتصالات، جاء الخبر الذي جعل قلبي يقفز من مكانه: شقة في مشروع عمر المختار، في مديرية الشيخ عثمان بعدن.

لم تكن الشقة قصرًا، ولم تكن واسعة كما كنا نحلم، لكنها بالنسبة إلينا كانت أكثر من شقة. كانت بداية بيت. كانت المكان الذي يمكن أن تتحول فيه قصة حبنا من حلم إلى حياة. ومع ذلك، بقيت المشكلة الأصعب: التعيين.

كان التخرج يقترب، وأصبح علينا أن نقرر. هل نتزوج ونواجه اعتراض الأهل؟ هل ننتظر الوظيفة؟ هل نغامر؟ وفي تلك الأيام ظهرت عقبة جديدة.

وصل إلى أهلي أن هناك احتمالًا لتعييني خارج عدن، فاشتد القلق، قال أحد أقاربي: "إذا تزوجت الآن، ماذا ستفعل إذا أرسلوك إلى بيحان؟"

ولم أجد جوابًا مقنعًا. فقلت: "سأعمل وأعيش حيث تكون وظيفتي."

لكنهم قالوا: "والزوجة؟"

وكان هذا هو السؤال الذي لا جواب له. في المقابل، كان أهل شفيقة يصرون على أن مستقبلها لا ينبغي أن يكون رهينة لظروف لم تستقر بعد.

كانت شفيقة نفسها واقفة بيننا جميعًا. ولأول مرة رأيت في عينيها خوفًا حقيقيًا. لم يكن خوفها من الزواج، وإنما من أن تضيع سنوات الدراسة التي جمعتنا، وأن تنتهي الحكاية التي بدأت بكلمة إنجليزية ودفتر ملاحظات.

قلت لها: "لن أتراجع."

قالت: "حتى لو لم يتم التعيين في عدن؟"

قلت: "حتى لو اضطررت أن أبحث عن ألف طريق."

ابتسمت، وقالت: "إذن ابحث عن الطريق."

وهكذا بدأت آخر معركة. تدخل أصدقاء، وتحدث معارف، وتكررت الزيارات إلى المسؤولين، وسعى عم شفيقة مرة أخرى بما يستطيع. وفي النهاية جاءت البشرى.

تم حل موضوع التعيين بصورة سمحت لنا بالبقاء في عدن. لم يكن الأمر سهلًا، ولم يكن نتيجة خطوة واحدة، وإنما حصيلة محاولات ووساطات وصبر طويل. وبذلك سقط آخر حجر في الطريق.

تخرجنا.

أنا الذي دخلت كلية التربية العليا عام 1978 من أبناء م/ الرابعة، وسكنت في براقاتها القديمة، وأكلت الأرز الصيادية بشلن، ودرست الإنجليزية حتى أصبحت تخصصي، وجدت نفسي أخيرًا أقف أمام باب آخر من أبواب الحياة.

أما شفيقة، فلم تعد تلك الطالبة التي كنت أشرح لها الفرق بين الأزمنة في اللغة الإنجليزية. أصبحت شريكة حياتي. وفي اليوم الذي تم فيه الزواج، تذكرت كل شيء.

تذكرت العنابر، والحمام الذي لا يغلق، والطلاب الذين كانوا يتركون الباب مفتوحًا، والوجبات الرخيصة في المعلا، وقارورة "بانيس"، ومشاوير خورمكسر، والمحاضرات، والامتحانات، والضحكات التي كانت تملأ أروقة الكلية.

وتذكرت أول مرة جلست فيها شفيقة إلى جواري تسألني عن كلمة إنجليزية. لم أكن يومها أعرف أنني وأنا أشرح لها معنى كلمة، كنت أتعلم أنا معنى آخر لكلمة أكبر. الحب.

انتقلنا إلى شقتنا في مشروع عمر المختار. كانت شقة متواضعة، لكنها بدت لنا يومها أوسع من الدنيا كلها. دخلناها ونحن نحمل أحلامنا، وشهادة التخرج، وبعض الأثاث البسيط، وذاكرة خمس سنوات كاملة.

نظرت شفيقة إليّ وقالت: "تذكر أول درس إنجليزي؟"

ضحكت وقلت: "وكيف أنساه؟"

قالت: "كنت لا أعرف شيئًا."

قلت: "والآن؟"

قالت وهي تبتسم: "الآن أعرف شيئًا واحدًا جيدًا."

سألتها: "ما هو؟"

قالت:"أنك كنت تشرح لي الإنجليزية، لكنك كنت تتعلم معي كيف تحب."

ضحكت، وشعرت أن كل التعب الذي مررنا به كان يستحق.

أما أجمل ما في القصة، فهو أنني كلما عدت بذاكرتي إلى ذلك الطالب الذي كنت عليه عام 1978، أراه يدخل باب الكلية حاملاً حقيبته الصغيرة، ولا يعرف شيئًا عن المستقبل.

وأشعر برغبة في أن أقول له: لا تخف يا سالم... ستتعب كثيرًا، وستتعثر أكثر من مرة، لكنك في نهاية الطريق ستجد ما جئت تبحث عنه، وستجد فوق ذلك شيئًا لم تكن تعرف أنك تبحث عنه أصلًا: شفيقة.