بالعملة المحلية.. رسالة شعبية من مناطق سيطرة الحوثيين: لا يمكن للظلم أن يدوم
موسى المليكي.
في تعبير رمزي يحمل دلالات سياسية واجتماعية واسعة، استخدم مواطنون في مناطق خاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين العملة المحلية للتعبير عن موقف رافض لما يصفونه بالظلم والقمع، مؤكدين أن الأوضاع القائمة لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، وأن تطلع اليمنيين إلى الحرية سيبقى حاضراً رغم الضغوط والقيود.
وجاءت الرسالة في ظل واقع يمني شديد التعقيد، تتداخل فيه الأزمات الاقتصادية والمعيشية مع الانقسام السياسي والعسكري، بينما يعيش ملايين المدنيين تحت وطأة تدهور الخدمات وتراجع القدرة الشرائية وتضييق المجال العام.
وتحمل الرسالة، في مضمونها، تعبيراً عن حالة من السخط تجاه استمرار الأوضاع القائمة، وتأكيداً على أن القمع، مهما طال، لا يستطيع إلغاء تطلعات الناس إلى حياة أكثر أمناً وحرية وعدالة.
العملة تتحول إلى مساحة للتعبير
في بلد أنهكته الحرب والانقسام الاقتصادي، لم تعد العملة مجرد وسيلة للتداول وشراء الاحتياجات اليومية، بل تحولت في بعض السياقات إلى وسيلة للتعبير عن الواقع المعيشي والسياسي.
ويكتسب استخدام العملة المحلية في هذا السياق دلالة خاصة؛ فهي تمثل جزءاً من الحياة اليومية للمواطن، وتحمل في الوقت ذاته رمزية مرتبطة بالدولة والاقتصاد والسيادة.
ومن خلال هذا الاستخدام الرمزي، أراد أصحاب الرسالة إيصال مضمون يتجاوز الكلمات المباشرة، مفاده أن الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة لا تلغي رغبة اليمنيين في التغيير، ولا تنهي تطلعهم إلى مستقبل مختلف.
رسالة تتجاوز الاقتصاد
ولا تنفصل الرسالة عن الأزمة الأوسع التي يعيشها اليمن.
فالتدهور الاقتصادي والانقسام النقدي والمؤسسي باتا من أبرز سمات المشهد اليمني، فيما أدت الحرب إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتفاقم الأزمات المعيشية.
وتشير تقارير حديثة إلى أن اليمن يعاني من انقسام مؤسسي واقتصادي عميق، امتد أثره إلى النظام النقدي، مع وجود واقع اقتصادي مختلف بين مناطق البلاد.
وفي مناطق سيطرة الحوثيين، أضيفت خلال السنوات الماضية إجراءات نقدية واقتصادية خاصة، من بينها إصدار عملات معدنية من فئة 100 ريال، في وقت باتت فيه العملة والنظام المصرفي جزءاً من الانقسام الأوسع الذي تشهده البلاد.
لكن خلف الأرقام والقرارات الاقتصادية يوجد مواطن يبحث عن أبسط حقوقه: راتب منتظم، وأسعار يمكن تحملها، وخدمات أساسية، وحرية في التعبير عن رأيه دون خوف.
«لا يمكن أن يدوم الظلم»
العبارة التي حملتها الرسالة الشعبية، ومفادها أن الظلم والقمع لا يمكن أن يدوم وأن شمس الحرية لا بد أن تشرق، تعكس خطاباً سياسياً معروفاً في المجتمعات التي تعيش تحت ضغوط طويلة الأمد.
وهي، في مضمونها، لا تتحدث عن لحظة سياسية محددة بقدر ما تعبر عن اعتقاد بأن استمرار القمع لا يعني بالضرورة انتهاء الرغبة في التغيير.
ويأتي ذلك في وقت تشير فيه تقارير حقوقية إلى استمرار القيود على الحريات العامة في اليمن، بما في ذلك الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري والانتهاكات التي تطال المدنيين والعاملين في المجال الإنساني والمجتمع المدني.
وتقول هيومن رايتس ووتش إن جماعة الحوثيين واصلت احتجاز موظفين أمميين وعاملين في منظمات المجتمع المدني، فيما وثقت المنظمة انتهاكات واسعة ارتكبتها أطراف مختلفة في النزاع اليمني.
بين القمع والأزمة المعيشية
ولا يقتصر الضغط الذي يواجهه المواطن اليمني على الجانب السياسي.
فالأزمة الاقتصادية أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وتدهور مصادر الدخل.
وتشير تقارير حديثة إلى أن الحرب والانقسام الاقتصادي يواصلان الضغط على الأسر اليمنية، فيما يعاني ملايين السكان من الاحتياجات الإنسانية والغذائية.
وهكذا تتقاطع الرسالة السياسية مع الوجع الاقتصادي؛ فالمواطن الذي يطالب بالحرية هو نفسه المواطن الذي يبحث عن لقمة العيش، ويواجه ارتفاع الأسعار، وتراجع الدخل، وعدم الاستقرار.
صوت المجتمع لا يمكن تجاهله
وبعيداً عن المواقف السياسية المتباينة، فإن التعبير عن الرأي يبقى مؤشراً مهماً على مستوى الاحتقان داخل المجتمع.
فحين يبدأ المواطن باستخدام الرموز والأدوات اليومية لإيصال رسالة سياسية، فإن ذلك يعني أن المسألة لم تعد محصورة في النخب أو القوى السياسية، وإنما بدأت تجد طريقها إلى الخطاب الشعبي.
وهنا تبرز أهمية احترام حق المواطنين في التعبير السلمي عن آرائهم، وعدم التعامل مع الانتقادات باعتبارها تهديداً يستوجب القمع.
فالاستقرار الحقيقي لا يصنعه إسكات الأصوات، وإنما تصنعه القدرة على معالجة أسباب الغضب والاستماع إلى المواطنين والاستجابة لمطالبهم المشروعة.
اليمنيون يريدون مستقبلاً مختلفاً
بعد أكثر من عقد على اندلاع الحرب، ما يزال اليمن يعيش واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في المنطقة، مع استمرار الانقسام السياسي والاقتصادي وتدهور الأوضاع الإنسانية.
وتؤكد التقارير الدولية أن المدنيين تحملوا الجزء الأكبر من كلفة الصراع، فيما تراجعت مساحة العمل السياسي والمدني في البلاد.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو الرسالة التي حملها التعبير الشعبي واضحة في جوهرها:
أن استمرار الخوف لا يعني اختفاء الأمل، وأن القمع لا يلغي تطلع الإنسان إلى الحرية، وأن الأزمات مهما طال أمدها لا تستطيع إلغاء حق الناس في المطالبة بحياة أفضل.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام اليمنيين والقوى السياسية والمجتمع الدولي هو تحويل هذا التطلع إلى مسار سلمي يفضي إلى دولة تحمي حقوق مواطنيها، وتضمن حرية التعبير، وتعيد بناء مؤسساتها، وتنهي الانقسام الاقتصادي والسياسي الذي أرهق البلاد.
فاليمن، الذي أنهكته سنوات الحرب، لا يحتاج إلى مزيد من القمع.
إنه يحتاج إلى السلام، والعدالة، والحرية، ودولة يتساوى فيها المواطنون أمام القانون.
وإذا كان التاريخ يعلم شيئاً واحداً، فهو أن الظلم قد يطول، لكنه لا يستطيع أن يكون قدراً أبدياً، وأن تطلع الشعوب إلى الحرية لا يموت بمجرد أن تُغلق أمامه الأبواب.



