هل أمريكا جادة في فتح مضيق هرمز للعالم؟
بعد «أمريكا بدأت تفكيك إيران»… السؤال لم يعد كيف تُضرب إيران، بل ماذا تريد واشنطن أن تصنع في هرمز بعد الحرب؟
في مقالي السابق «أمريكا بدأت تفكيك إيران»، ذهبت إلى أن خريطة الضربات الأمريكية على الساحل الإيراني لا تبدو خريطة انتقام، وإنما خريطة تفكيك منهجي للأدوات التي تسمح لطهران بتحويل موقعها الجغرافي إلى سلاح ضد المنطقة والعالم.
ولأن ما يجري في مضيق هرمز يتجاوز في أبعاده مجرد فتح ممر بحري، فسأتناول هذه القضية في سلسلة من المقالات المترابطة، تبدأ بالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل أمريكا جادة فعلاً في فتح هرمز وضمان بقائه مفتوحاً؟ ثم أنتقل إلى السؤال الأكثر حساسية حول الجزر وموقعها في معادلة أمن المضيق، وصولاً إلى ما أراه القضية الأهم: من سيصوغ النظام الأمني لهرمز بعد الحرب، ولماذا ينبغي أن تكون المملكة العربية السعودية في مقدمة من يقود هذه المبادرة؟
هل تريد الولايات المتحدة فتح مضيق هرمز لهذه الحرب فقط، أم أنها بدأت تفكر في منع إيران من امتلاك القدرة على إغلاقه مرة أخرى؟
الفرق بين السؤالين هائل. الأول يتعلق بعملية عسكرية، أما الثاني فيتعلق بإعادة تشكيل النظام الأمني للخليج.
فتح المضيق شيء… وضمان بقائه مفتوحاً شيء آخر
تستطيع الولايات المتحدة، بما تمتلكه من تفوق جوي وبحري واستخباراتي، أن تدمر بطاريات صواريخ ساحلية، وأن تستهدف زوارق وقواعد بحرية، وأن تعطل رادارات واتصالات، وأن تشارك في إزالة الألغام وتأمين ممرات للسفن.
لكن ماذا بعد؟
هذه هي المشكلة التي لا تحلها القنابل وحدها. لأن إيران ستبقى مطلة على الخليج وبحر عُمان. والجزر ستبقى. والساحل سيبقى. والجغرافيا التي سمحت لإيران ببناء عقيدتها العسكرية حول تهديد هرمز لن تختفي بانتهاء جولة القتال.
وإذا انتهت الحرب ثم استطاعت إيران بعد سنوات إعادة بناء الصواريخ والقوارب والمسيّرات والألغام، فإن العالم سيعود إلى المشكلة نفسها.
وهنا تصبح المعضلة الأمريكية: هل تفتح هرمز كلما أغلقته إيران، أم تغيّر المعادلة بحيث يصبح إغلاقه أصعب من الأصل؟
إيران ارتكبت خطأً استراتيجياً
منذ عقود بنت طهران جزءاً من ردعها على فكرة: إذا مُنع النفط الإيراني من الوصول إلى العالم، فإن إيران تستطيع جعل نفط الآخرين غير آمن أيضاً.
كانت هذه الورقة فعالة ما دامت تهديداً. لكن استخدامها الفعلي يحمل خطراً هائلاً على إيران، لأن اللحظة التي يتحول فيها هرمز إلى سلاح لا تضرب أمريكا وحدها؛ إنها تمس مصالح الصين والهند واليابان وكوريا وأوروبا ودول الخليج والاقتصاد العالمي كله.
وهنا قد تكون طهران قد ارتكبت خطأً تاريخياً: حوّلت هرمز من ورقة ردع إيرانية إلى مشكلة دولية.
فواشنطن قد تختلف مع بكين في ملفات كثيرة، لكنهما لا تختلفان على أهمية استمرار التجارة والطاقة. والصين قد ترفض الحرب الأمريكية، لكنها لا تريد أن يصبح أمن إمداداتها النفطية رهينة قرار عسكري إيراني.
إذن لماذا الساحل والجزر؟
كلما اقتربت العمليات من منظومة الساحل والجزر والمراقبة البحرية، أصبح واضحاً أن المعركة ليست فقط على الصواريخ؛ إنها على قدرة إيران على رؤية المضيق ومراقبته وتهديده وإغلاقه.
الرادار عين. والاتصالات أعصاب. والصواريخ قبضة. والقوارب أصابع. والألغام أداة شلل اقتصادي. والجزر والساحل هما الأرض التي تحمل هذه المنظومة.
لذلك قلت في المقال السابق إن واشنطن تقطع أصابع إيران التي تمسك بهرمز. لكن السؤال الآن: ماذا لو اكتشفت أمريكا أن قطع الأصابع لا يكفي، لأنها ستنمو من جديد؟
إذا كانت واشنطن تريد فقط إعادة فتح الملاحة، فإن التفوق البحري والجوي قد يكون كافياً. أما إذا كانت تريد ضمان عدم تكرار الأزمة، فستحتاج إلى نظام أمني جديد لهرمز: مراقبة مستمرة، نزع ألغام، إنذار مبكر، دفاع بحري وجوي، قواعد اشتباك واضحة، ووجود بحري طويل الأمد.
الاختبار الحقيقي سيأتي بعد فتح المضيق.
إذا نظفت واشنطن الممر، وضربت المنصات، ثم انسحبت، فهذه إدارة أزمة. وإذا بقيت قوة بحرية دائمة، فنحن أمام تغيير في قواعد اللعبة. أما إذا بدأ نقاش دولي حول ترتيبات أمنية جديدة تمنع أي طرف من تعطيل الملاحة مستقبلاً، فنحن أمام تحول تاريخي.
وفي المقال القادم سأذهب إلى الجزء الأكثر حساسية من هذه القراءة:
إذا لم تستطع القوة الجوية والبحرية وحدها ضمان بقاء هرمز مفتوحاً، فهل تدخل الجزر في المعادلة؟ وما الفرق بين الجزر الإيرانية والجزر الإماراتية الثلاث المحتلة؟
يتبع: بعد فتح هرمز… هل تدخل الجزر في المعادلة؟



