حين يغيب المفتش ويصمت الحساب(غياب آليات الرقابة والتفتيش وأزمة مصداقية المؤسسات والأحزاب في عدن)
مسعود عمشوش
ليست الدولة مجرد مبانٍ حكومية، ولا الوزارات مجرد مكاتب تحمل أسماء رسمية، ولا الأحزاب مجرد مقار ترفع لافتاتها في الشوارع. الدولة، في جوهرها، منظومة من القواعد والإجراءات والضوابط التي تجعل السلطة خاضعة للقانون، وتجعل المال العام مالًا عامًا، وتجعل المسؤول موظفًا مؤتمنًا لا مالكًا لما وُضع بين يديه من صلاحيات وموارد.
وحين تتآكل هذه القاعدة، يبدأ شيء أخطر من الفساد المالي بالظهور: تبدأ مصداقية المؤسسة نفسها في الانهيار.
فالمشكلة لا تبدأ بالضرورة من اختلاس كبير أو صفقة مشبوهة. قد تبدأ من تعيين قريب في موقع حساس، أو من إخفاء موازنة عن العاملين في المؤسسة، أو من عدم عرض الحساب الختامي على الجهة المختصة، أو من تجاوز إجراء إداري بحجة الضرورة، أو من تحويل المسؤول إلى مركز مغلق لا يُسأل عما يفعل. ومع تراكم مثل هذه الممارسات يصبح الاستثناء قاعدة، وتتحول القاعدة إلى مجرد نص محفوظ في الأدراج.
ومن هنا يمكن فهم واحدة من أكثر مشكلات الدول النامية إلحاحًا: حين تغيب الرقابة والتفتيش المستقلان، لا يبقى القانون إلا بوصفه نصًا، ولا تبقى المؤسسة إلا بوصفها هيكلًا، ولا يبقى الحزب إلا بوصفه شبكة من المصالح والولاءات.
ولعل عدن تقدم مثالًا بالغ الدلالة على هذه المفارقة؛ فهي مدينة عرفت، في مراحل مختلفة من تاريخها الحديث، تقاليد إدارية أكثر صرامة مما آل إليه حال كثير من مؤسساتها في العقود الأخيرة.
من ثقافة الانضباط إلى ثقافة الإفلات
من المهم، عند الحديث عن تاريخ الإدارة في عدن، ألا نقع في فخ الحنين الانتقائي إلى الماضي، ولا في تبرئة أي مرحلة تاريخية من أخطائها. فالوجود الاستعماري البريطاني كان نظامًا استعماريًا في المقام الأول، ولم يكن مشروعًا ديمقراطيًا بالمعنى الحديث. لكن ذلك لا يمنع من الاعتراف بأن الإدارة التي نشأت في عدن خلال تلك الحقبة تركت وراءها قدرًا من التقاليد البيروقراطية، والانضباط الوظيفي، وتحديد المسؤوليات، وحفظ السجلات، وتنظيم الخدمة المدنية.
وتكشف محفوظات الإدارة البريطانية في عدن، مثلًا، عن وجود أنظمة مكتوبة للخدمة المدنية وشروطها، بل وعن دليل رسمي للانضباط الوظيفي لموظفي الخدمة المدنية صدر سنة 1958، وهو ما يعكس وجود تصور مؤسسي واضح للمسؤولية والانضباط الإداري. (British Library Archives)
ولم تختفِ تمامًا هذه الروح الإدارية بعد رحيل البريطانيين.
ففي دولة الجنوب التي قامت بعد الاستقلال عام 1967، ورغم طبيعتها السياسية والحزبية المغلقة، نشأت منظومة شديدة المركزية كان فيها التنظيم الإداري والحزبي والرقابة الداخلية جزءًا من بنية الدولة والحزب. ولا ينبغي، بالطبع، تحويل هذه التجربة إلى نموذج مثالي؛ فقد كانت لها مشكلاتها السياسية والحقوقية والصراعات الداخلية الحادة. لكن المقارنة التي تهمنا هنا هي أن المؤسسة كانت تُفهم، في جانب من جوانبها، بوصفها جهازًا له تسلسل إداري وقواعد وآليات للمتابعة، لا مجرد مساحة مفتوحة لإرادة المسؤول الفرد.
وهذا فارق بالغ الأهمية.
فالرقابة في الدولة الحديثة لا تعني أن المسؤول متهم حتى تثبت براءته، وإنما تعني أن كل سلطة مطالبة مسبقًا بإثبات سلامة تصرفاتها. إن وجود المفتش أو المدقق أو لجنة الرقابة ليس إعلانًا عن عدم الثقة بالموظف؛ بل هو إعلان عن احترام المال العام.
22 مايو وتدمير المؤسسات في عدن:
جاءت وحدة 1990 وهي تحمل في داخلها تحديًا هائلًا: دولتان مختلفتان في البنية السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية تحاولان بناء دولة واحدة. كان الجنوب قد نشأ على نموذج اشتراكي شديد الحضور للدولة، بينما كان الشمال يقوم على بنية سياسية واجتماعية مختلفة. وتشير الدراسات إلى أن الجهاز الإداري الموحد ورث بعد الوحدة تضخمًا كبيرًا في العمالة العامة وضعفًا في الكفاءة، وأن عملية دمج الجهازين لم تنتج بسهولة مؤسسة مدنية موحدة ذات معايير متماسكة.
لكن المشكلة لم تكن في اختلاف الجهازين وحده. المشكلة الأكبر أن القاعدة المؤسسية لم تستطع أن تنتصر على شبكة المصالح السياسية والاجتماعية الجديدة.
ومع مرور السنوات، أخذت الدولة تتحول تدريجيًا من دولة يفترض أن تعمل مؤسساتها وفق قواعد عامة إلى دولة تلعب فيها علاقات القرب والولاء السياسي والشخصي دورًا متزايدًا في توزيع المناصب والموارد.
وتقدم تجربة نظام علي عبدالله صالح مثالًا واضحًا على زيادة طرق الفساد. والإفساد. فالدراسات التي تناولت الاقتصاد السياسي اليمني تصف نظام صالح بأنه أقام شبكة واسعة من المحسوبية والرعاية السياسية، استُخدمت فيها الوظائف الحكومية والعقود والموارد والأراضي والمواقع العسكرية والأمنية لبناء الولاء السياسي. وبعد حرب 1994، امتد ذلك بصورة أكبر إلى الجنوب، حيث تعرضت أصول وأراضٍ ومؤسسات لإعادة توزيع استفادت منها شبكات مرتبطة بمراكز القوة الجديدة. (
وهنا حدث التحول الأخطر: لم يعد الفساد مجرد خرق للنظام؛ بل أصبح النظام نفسه، في بعض جوانبه، قابلًا للاختراق بواسطة شبكات المصالح.
عندما يصبح المسؤول هو رقيب نفسه
القاعدة الذهبية في الإدارة العامة بسيطة: لا يجوز أن يكون الشخص هو صاحب القرار، وهو المستفيد من القرار، وهو المراجع للقرار في الوقت نفسه. لكن حين تتراجع الرقابة، يصبح ذلك ممكنًا.
المسؤول الذي يملك سلطة التعيين، وسلطة الصرف، وسلطة اختيار اللجان، وسلطة توزيع العقود، ثم يملك أيضًا القدرة على إبعاد من يراجعه، يتحول تدريجيًا إلى مركز مستقل داخل المؤسسة.
وفي مثل هذه البيئة تصبح القرابة أداة إدارية. يُعيَّن القريب لا لأنه الأفضل، وإنما لأنه الأكثر ضمانًا للولاء. ويُقرَّب الصديق لا لأنه الأكثر كفاءة، وإنما لأنه لن يسأل الأسئلة المحرجة. ويُمنح الموقع الحساس لمن يُتوقع منه أن يرى ولا يتكلم، ويسمع ولا يعترض، ويعرف ولا يكشف.
وهكذا لا تعود المحسوبية مجرد ظلم لموظف أكثر كفاءة؛ بل تتحول إلى آلية لحماية الفساد نفسه.
وهذه النقطة بالذات جديرة بالتوقف عندها. فالمشكلة في تعيين الأقارب ليست في القرابة وحدها. قد يكون القريب كفؤًا فعلًا. المشكلة حين تتحول القرابة إلى بديل عن المنافسة المفتوحة والمعايير الموضوعية، وحين يصبح الهدف من التعيين هو ضمان الصمت والولاء.
عندها تصبح المؤسسة أشبه بسلسلة من حلقات الحماية: كل حلقة تعرف أن بقاء الحلقة التي فوقها يحمي بقاءها هي أيضًا.
الميزانية التي لا يراها أحد
من أكثر المؤشرات دلالة على صحة المؤسسة المالية أن تكون ميزانيتها قابلة للفحص والمراجعة. فالموازنة ليست وثيقة سرية تخص الوزير أو المدير. إنها التعبير المالي عن أهداف المؤسسة، ولذلك ينبغي أن يعرف المعنيون بها: كم دخل إليها؟ وكم أنفق؟ وعلى ماذا؟ ومن اتخذ القرار؟ وما النتائج؟
وتؤكد منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي أن الرقابة الداخلية والتدقيق وإدارة المخاطر عناصر أساسية لحماية النزاهة العامة، وأن الرقابة لا تكون فعالة إذا ظلت مجرد قواعد مكتوبة من دون تطبيق فعلي. كما تؤكد أن الرقابة الداخلية والخارجية ينبغي أن تتكامل، لأن الرقابة الداخلية قد تفتقر إلى الاستقلالية والموضوعية عندما يتعلق الأمر بالتحقيق في المخالفات داخل المؤسسة نفسها.
وهذه هي المعضلة التي ينبغي أن نتوقف عندها في عدن. فإذا كانت موازنة الوزارة أو المؤسسة أو الحزب لا تُناقش بصورة شفافة، وإذا كانت تفاصيل الإنفاق لا تصل إلى الهيئات المعنية، وإذا لم يكن هناك تدقيق دوري مستقل، وإذا كان الموظف يخشى أن يسأل عن أوجه الصرف، فإن الميزانية تتحول من أداة للتخطيط العام إلى صندوق مغلق في يد مجموعة محدودة من الأشخاص.
وحين يصبح المال العام بلا نافذة، تبدأ الشائعة في ملء الفراغ.
عدن: أزمة مؤسسات أم أزمة ثقة؟
ربما كان أخطر ما تعانيه عدن اليوم ليس فقط ضعف الأداء الإداري، وإنما تراجع الثقة في المؤسسات. وهذا فرق جوهري. قد يقبل المواطن أن تكون المؤسسة فقيرة الإمكانات، أو أن تتأخر المعاملة بسبب نقص الموظفين، أو أن تتعطل بعض الخدمات بسبب الحرب. لكنه يصعب عليه أن يتقبل أن يرى المسؤول يعيش في عالم مختلف تمامًا عن عالم المؤسسة التي يديرها.
عندما يرى الموظف أن مديره لا يخضع للقواعد التي يُطلب منه الالتزام بها، تبدأ هيبة المؤسسة في الانهيار.
وعندما يرى المواطن أن صاحب النفوذ يستطيع الحصول على وظيفة أو عقد أو أرض أو قرار بسهولة بينما يحتاج المواطن العادي إلى سنوات من الانتظار، يصبح القانون في نظره قانونًا لفئة دون أخرى.
وعندما يرى أعضاء الحزب أو الكيان السياسي أن الحسابات المالية لا تُناقش، وأن القرار السياسي يظل محصورًا في دائرة ضيقة، فإن هذا الكيان يفقد تدريجيًا صورته بوصفه مؤسسة سياسية ويصبح أقرب إلى شبكة من العلاقات الشخصية.
ولهذا فإن أزمة الرقابة هي في نهاية المطاف أزمة شرعية. فالمؤسسة لا تكتسب الشرعية من اسمها، وإنما من سلوكها.
ومن الأخطاء الشائعة النظر إلى الرقابة باعتبارها شأنًا حكوميًا فقط. والكيان السياسي مؤسسة عامة بالمعنى السياسي والاجتماعي، حتى لو كان تنظيمًا خاصًا من الناحية القانونية. فهو يطلب من الناس الثقة به، ويقدم نفسه بوصفه بديلًا للحكم أو شريكًا فيه أو رقيبًا عليه.
ومن ثم فإن الكيان الساياسي الذي يطالب الحكومة بالشفافية ثم يخفي حساباته، أو يطالب بتطبيق القانون ثم يتجاوز نظامه الداخلي، أو يرفع شعار مكافحة الفساد ثم يجعل القرابة معيارًا للترقية، إنما يهدم مصداقيته بيده.
وتشير دراسات عن الحياة الحزبية في بلادنا إلى أن قانون الأحزاب نفسه يضع قواعد تتعلق بالعمل الحزبي، لكن تطبيق بعض أحكامه ظل انتقائيًا، كما أن علاقة الأحزاب بمؤسسات الدولة والسلطة ظلت شديدة التعقيد.
لذلك فإن إصلاح الدولة لا يمكن أن يكتمل من دون إصلاح الأحزاب والكيانات السياسية.
فهذا الكيان الذي لا يعرف كيف يراقب نفسه لن يعرف كيف يراقب الحكومة. والحزب الذي لا يستطيع أن يقدم كشفًا ماليًا واضحًا لأعضائه لا يستطيع أن يقنع المواطن بأنه سيكون أكثر شفافية عندما يصل إلى السلطة.
كيف يمكن إنقاذ عدن؟
إذا أردنا بالفعل استعادة الثقة في مؤسسات عدن، فلا يكفي أن نكرر شعارات مكافحة الفساد. نحن بحاجة إلى هندسة جديدة للرقابة.
أولًا: نشر الموازنات
ينبغي إلزام الوزارات والمؤسسات والهيئات والأحزاب التي تتلقى أموالًا أيا كان مصدرها أو تتمتع بوضع قانوني خاص بنشر موازناتها وتقاريرها المالية بصورة دورية، مع بيان مصادر الإيرادات وأوجه الإنفاق.
ما لا يمكن للمواطن أن يعرفه لا يستطيع أن يراقبه.
ثانيًا: إعادة الاعتبار للتفتيش الإداري والمالي
ينبغي إنشاء أو تفعيل وحدات تفتيش داخلي في كل وزارة ومؤسسة، على أن تكون محمية من تدخل الوزير أو المدير الذي يفترض أن تخضع أعماله للتفتيش.
فالمفتش الذي يخاف من الوزير ليس مفتشًا؛ إنه موظف ينتظر تعليماته.
ثالثًا: الفصل بين سلطة القرار وسلطة المراجعة
لا يجوز أن تكون الجهة التي تصرف المال هي نفسها التي تعتمد الحسابات النهائية.
رابعًا: حماية المبلغين
الموظف الذي يكشف تجاوزًا ماليًا لا ينبغي أن يصبح هو الضحية. ينبغي وضع آلية قانونية واضحة لحماية من يبلغ عن الفساد، وضمان عدم نقله أو فصله أو معاقبته بسبب بلاغ حسن النية.
خامسًا: وقف التعيين العائلي
ليس المطلوب منع المسؤول من تعيين قريب له بصورة مطلقة، وإنما منع تضارب المصالح.
ويجب أن تخضع المواقع الحساسة للمنافسة والمعايير المهنية، وأن يعلن المسؤول علاقاته العائلية عندما يكون لها تأثير محتمل في قرار التعيين.
سادسًا: إعادة دور المجالس والهيئات المنتخبة
لا معنى لمجلس محلي أو مجلس إدارة أو هيئة رقابية إذا لم يكن قادرًا على الاطلاع على الموازنة ومراجعة الأداء ومساءلة المسؤولين.
إن المجلس الذي لا يستطيع أن يسأل عن المال العام يتحول إلى ديكور مؤسسي.
سابعًا: رقمنة المال
كلما اتسعت مساحة المعاملات الورقية، اتسعت مساحة التلاعب.
أما الرقمنة فتجعل مسار المال أكثر قابلية للتتبع، وتقلل من إمكانية تعديل الوثائق أو إخفائها، وتتيح بناء قواعد بيانات يمكن للرقابة والمجتمع المدني والصحافة الاستقصائية الاستفادة منها.
ثامنًا: تدقيق سنوي مستقل
ينبغي ألا يكون التدقيق مناسبة موسمية.
كل وزارة ومؤسسة عامة كبيرة يجب أن تخضع لتدقيق مالي وإداري دوري، وأن تنشر خلاصته للرأي العام، مع تحديد المسؤولية عن المخالفات والإجراءات المتخذة بشأنها.
تاسعًا: إصلاح الأحزاب يبدأ من دفاترها
ينبغي إلزام الأحزاب، وفق القانون، بتقديم تقارير مالية دورية لأعضائها وللجهات المختصة، وإقرار آليات مستقلة داخل الحزب لمراجعة الموارد والنفقات.
فالحزب الذي يريد أن يحكم المجتمع ينبغي أن يتعلم أولًا كيف يحكم نفسه.
عاشرًا: تحويل مكافحة الفساد من شعار إلى نظام
الأهم من كل ما سبق أن نتوقف عن التعامل مع الفساد باعتباره مجموعة من الأشخاص السيئين الذين ينبغي القبض عليهم.
الفساد في جوهره مشكلة نظام.
إذا أخرجنا فاسدًا وأبقينا النظام الذي سمح له بالفساد، فسوف يأتي بعده فاسد آخر.
أما إذا ألغينا فرصة الفساد نفسها، ووزعنا الصلاحيات، وفصلنا القرار عن المراجعة، وأوجدنا شفافية حقيقية، وحمينا المفتش والمبلغ، فإننا نكون قد بدأنا بالفعل في بناء دولة.



