إفادة الدوسري امام الكونغرس.. موضوعية تكشف خطر الحوثي

في دقائق محدودة، استطاعت الباحثة ندوى الدوسري أن تضع خطر جماعة الحوثي امام الكونغرس الامريكي بصورة اكثر وضوحاً من كثير من الخطابات التي امتلأت بها المنصات الإعلامية ومواقع التواصل. لم تكن الإفادة استعراضاً سياسياً ولا خطاباً تعبوياً، بل قراءة موضوعية لخطر يتجاوز اليمن، ويمتد تأثيره الى أمن الاقليم واستقرار الشرق الاوسط وأمن وسلامة الممرات المائية الدولية.

ما قدم في تلك الدقائق كان ابلغ من ضجيج العشرات ممن يملكون ارقاماً ضخمة من المتابعين، لأن الفرق بين الخطاب المهني وضجيج المنصات هو أن الاول يخاطب العقل وصانع القرار، بينما قد لا يتجاوز الثاني دائرة الاستهلاك الاعلامي. وحين تكون القضية بحجم اليمن وانقلاب الحوثيين وما تبعه، فإن ما يحتاجه العالم ليس المزيد من الصخب والمنابزات والبحث المحموم عن المتابعين على حساب المهنية، بما يهبط بمستوى الخطاب الإعلامي، بل معلومات دقيقة ورؤية واضحة وتوصيف حقيقي لحجم الخطر.

قوة هذه الإفادة أنها لم تقدم الحوثيين باعتبارهم طرفاً محلياً في نزاع يمني، بل باعتبارهم جماعة مسلحة تحولت الى قوة عسكرية تمتلك ترسانة متطورة من الصواريخ والطائرات المسيرة والقدرات البحرية، وتستطيع تهديد الملاحة الدولية والمصالح الأمريكية والاقليمية. وهذه الحقيقة وحدها كافية لإعادة النظر في الطريقة التي يتعامل بها مع الجماعة سياسياً وعسكرياً.

فخطر الانقلاب الحوثي لن يقف عند حدود اليمن، ولن يكتفي بتحويل البلاد الى بوابة خلفية لإيران. إن استمرار سيطرة جماعة مسلحة على مؤسسات الدولة وامتلاكها هذا الحجم من القدرات العسكرية يعني أن اليمن اصبح جزءاً من معادلة أمنية إقليمية ودولية، وأن الممرات المائية، وفي مقدمتها البحر الأحمر، اصبحت جزءاً من مسرح التهديد الحوثي.

والأهم أن إفادتها أمام الكونغرس لم تكتفِ بالتحذير، بل قدمت صورة تفصيلية عن الترسانة العسكرية التي بنتها الجماعة، وعن مصادر قوتها وشبكات الدعم والتهريب والإمداد التي ساعدتها على تطوير قدراتها واعادة بناء ترسانتها. وهي بذلك وجهت رسالة واضحة الى العالم: الحوثي ليس جماعة تنتظر فرصة للسلام، وإنما جماعة تستثمر فترات التهدئة لإعادة ترتيب اوراقها وتعزيز قوتها.

وهنا تبرز خطورة الرهان على أن الحوثيين سيلتزمون تلقائياً بالقرارات الدولية او سينتقلون من الحرب الى السلام بمجرد فتح المسارات السياسية. فالسلام الحقيقي لا يمكن أن يستقيم مع جماعة تحتفظ بالسلاح وتواصل تطوير قدراتها العسكرية وتربط مشروعها بمصالح إقليمية تتجاوز حدود اليمن.

كما أن اختزال الحوثيين في كونهم مجرد أداة إيرانية لا ينبغي أن يقود إلى التقليل من خطورتهم. فقد راكمت الجماعة خلال السنوات الماضية قدرات وشبكات وخبرات جعلتها تهديداً قائماً بذاته، وإن كان الدعم الإيراني احد اهم عوامل قوتها واستمرارها.

ولهذا اكتسب هذا الخطاب اهميته؛ لأنه لم يكن يبحث عن بطولة شخصية او مكاسب ذاتية، ولم يكن ترديداً لتوجيهات خارجية، بل كان خطاباً وطنياً مهنياً يعرف اليمن والحوثيين، ويعرف كذلك كيف ينقل الحقيقة الى صانع القرار الامريكي باللغة التي يفهمها.

لقد قيل ما ينبغي أن يقال بوضوح وهو أن التعامل مع الحوثي باعتباره مشكلة يمنية داخلية فقط هو خطأ استراتيجي، وانتظار التزامه بالسلام دون تغيير موازين القوة قد يطيل عمر الخطر.

وهنا يصبح الفرق واضحاً بين صانع محتوى يطارد عدد المشاهدات، وباحثة تضع قضية وطنية في قلب مؤسسة تصنع القرار العالمي. فليس المهم كم شخصاً شاهد الخطاب، بل من استمع إليه، وما الذي يمكن أن يترتب على سماعه.

لقد كانت صورة اليمن التي نقلتها الباحثة ندوى الدوسري الى الكونغرس اصدق واعمق من كثير مما يقال في وسائل الإعلام وما يتردد على منصات التواصل. فالدرس الاهم أن قضيتنا تحتاج الى اصوات مهنية صادقة تعرف كيف تخاطب العالم بلغته، لا الى مزيد من الضجيج؛ لأن الوطن حين يكون هو القضية، تصبح الكلمة مسؤولية، والمهنية موقفاً، والصدق قوة قادرة على الوصول الى المكان الذي تصنع فيه القرارات.