عوامل تراجع مكانة شبام التجارية وأوجه الشبه والاختلاف بين التجّار الشباميين والتجّار الدواعنة

 

مسعود عمشوش

في حلقة نقاش نظمت عصر اليوم الاثنين 12 فبراير في منزل الشيخ عوض باجرش، شارك فيها أ.د. محمد بن هاوي باوزير وأ.د. محسن قنزل والأخوة حسين بارحيم وخالد باجنيد وآخرون، تمّ تناول بعض العوامل التي أدت، منذ منتصف القرن الماضي، إلى صعود مدينة سيئون إلى المكانة التجارية الأولى في وادي حضرموت بعد أن كانت شبام قد تبوأتها لقرون عدة.

وقد أجمع الحاضرون على أن من تلك العوامل: اختيار آل كثير مدينة سيئون عاصمةً لسلطنتهم، بينما اختار القعيطيون الشحر ثم المكلا عاصمةً لهم في الساحل، والقطن عاصمة لهم في الوادي. وهذا ما لاحظه الرحالة الألماني ليو هيرش حينما زار شبام سنة 1893 (انظر الترجمة الأولى في كتابي شبام في كتابات الغربيين). ولذلك لم تصبح شبام مركزا سياسيا في تاريخ حضرموت الحديث. وقد أدى ذلك إلى عدم اهتمام القعيطيين بها مثلما اهتم الكثيريون بعاصمتهم سيؤون وكذلك بتريم. ففي سنة 1893 صلاح القعيطي استقبل الرحالة الألماني ليو هيرش في القطن وليس في شبام. وكذلك استقبل ابنه علي بن صلاح الرحالة الهولندي فان در ميولن سنة 1932 في القطن، وعندما وصل إلى شبام لمس ميولن الإهمال الكبير الذي تعاني منه المدينة، وكتب في (حضرموت وإزاحة النقاب عن بعض غموضها، ص135): "ثم فتحت البوابة وسرنا مع الجنود صاعدين سلالم طويلة تمتد عبر البنيان الأمامي وخلف الجدار الخارجي إلى المدخل الرسمي. يعطى القصر انطباعا بالإهمال وعدم النظافة. والسبب أن السلطان يعيش في القطن، ولا يأتي إلى هذا القصر إلا من وقت لآخر، ويبقى فيه بضعة أيام ليباشر مهام الدولة. وفي كل الأوقات الباقية يعهد أمره إلى الجنود المهملين الذين يسكنون فيه".

ومن عوامل تراجع مكانة في القرن العشرين عدم استقرار معظم تجار شبام في مدينتهم منذ نهاية القرن التاسع عشر وسفرهم إلى الشحر والمكلا وعدن وشرق آسيا وسواحل إفريقيا. وقد دفعت الحروب المستمرة وغياب الاستقرار السياسي والأمني في وادي حضرموت رجال شبام – تجار وغيرهم- لمغادرة مدينتهم للبحث عن العمل ولقمة العيش. وأكد الشيخ عوض باجرش أن معظم تجار شبام غادروا مدينتهم مع نهاية الحرب العالمية الثانية بعد رأوا حجم الضرر الذي لحق بشبام ووادي حضرموت بشكا عام خلال تلك الفترة. وبسبب ضيق الحيز المكاني لشبام لم يستطع تجارها المغتربون الاستثمار فيها، بل في المهاجر. وقد كتب الرحالة الهولندي فان در ميولن في مؤلفه "يسافر ربع سكان شبام من الرجال باستمرار إلى الخارج لجمع المال، ويذهب الجزء الأعظم منهم إلى المكلا وعدن. وحوالي 100 في جاوا و 50في سنغافورة. ويملك آل التوي على سبيل المثال عقارات في سنغافورة وبتافيا [حاليا جاكرتا] وسربايا، وعندما تكون الظروف حسنة يمارسون أيضا التجارة. وتعيش حوالي 300 عائلة من ريع عقارات هذه الأسرة وكل عقارات آل لعجم فى سنغافورة. والتاجر الشهير باسويدان أيضا من شبام، ويملك في سنغافورة وبتافيا أراضي واسعة ومئات المنازل". ومن المعلوم أن عددا من التجار الشباميين، كآل جبر وآل معاشر، قد نقلوا أموالهم من تلك المهاجر إلى مدينة عدن خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، واستثمروها في عدة مجالات لاسيما في العقارات وكان الـتأميم مصير معظمها.

ويمكن أن نذكر هنا أن بعض التجار الشباميين قاموا، في ثلاثينيات القرن الماضي، ببناء بناقل (فلل) في سحيل شبام وأثثوها بشكل حديث جدا، واستضافوا فيها عددا كبيرا من الرحالة الغربيين، وأجروها على بعض السياسيين والطيارين البريطانيين حينما كانت الطائرات تستخدم مطار بحران الواقع غربي شبام. وقد أسهب معظم الرحالة في وصف تلك البناقل، لا سيما بنقلة باسويدان وبنقلة آل لعجم. لكن افتتاح الطريق الشرقي للسيارات بين الساحل والداخل في ثلاثينيات القرن الماضي قد أثر في مكانة شبام التجارية. كما سارعت كذلك بريطانيا، بعد توقيع اتفاقية الاستشارة مع السلطنة الكثيرية سنة 1938 إلى افتتاح مطار الغرف بين سيئون وشبام. ومنذ ذلك الحين لم يعد الطيارون البريطانيون بحاجة للمبيت في شبام، لاسيما أن أبابكر الكاف قد نجح في جذبهم إلى استراحته الأبهة (بن داعر) الواقعة وسط بساتين سيئون، (وإش تواهي عدن عند بن داعر مع بير زين؟)

وفي نهاية حلقة النقاش تم تسليط الضوء على بعض أوجه الشبه والاختلاف بين التجار الشباميين والتجار الدواعنة. وأكد الحاضرون أن التجار الشباميين الدواعنة قد فضلوا الاستقرار في مهاجرهم أو في مدن عدن والمكلا والشحر. وتمت الإشارة كذلك إلى أن التجار الشباميين كانوا ينتمون جميعا، حتى خمسينيات القرن الماضي، إلى فئة اجتماعية واحدة هي القرار. وهذا ما جعل عددهم محدودا. بينما ينتمي التجار الدواعنة إلى مختلف الفئات الاجتماعية: كنده والقبائل والمشائخ. وهو ما أدى إلى ارتفاع أعدادهم. ومن المعلوم أن التجار الدوعنيون قد هاجروا إلى الحجاز من القرن التاسع عشر، لكن التجار الشباميين فضلوا الاتجاه صوب سواحل شرق إفريقيا وعدن والمكلا فقط.

من أبرز أوجه الاختلاف بين التجار الشباميين والتجار الدواعنة: رفض التجار الشباميين القيام بأي دور سياسي في شبام نفسها أو المهاجر التي استقروا بها، بينما لم يتردد الدواعنة في لعب دور سياسي، بل حتى عسكري أينما حلوا. ففي القرن التاسع عشر اختار العثمانيون بعضا منهم – مثل باناجة - لإدارة الشؤون المالية لولاية الحجاز. و من بعدهم نهج الأشراف السلوك نفسه؛ ففي عهد الشريف عبد المطلب عـُيّن عبد الله بامصفر وزيرا للمالية، وفي عهد الشريف عبد الله بن عون تولى الوزارة عبد الله باناعمة، وفي عهد الملك حسين بن علي عام 1916م كان عبد الله باشا باناجة وزيرا للمالية . وهناك كثير من السعوديين ذوي الأصول الحضرمية الدوعنية الذي يعملون اليوم في سلك التربية والتعليم وفي القوات المسلحة والحرس الوطني السعودي.