الوطن: بين استحقاق الحياة وضريبة الدم

​أيُّ وطنٍ هذا الذي يُطالب أبناءه بالموت قبل أن يمنحهم الحياة؟
​إنّ الوطن ليس مجرد مساحة جغرافية نُدفن في ثراها، بل هو الفضاء الذي نمارس فيه إنسانيتنا ونعيش فيه بكرامة. فمن المنظور الفطري والقانوني السويّ، ليس من المنطق أن يُطالب الإنسان بالدفاع عن كيانٍ لا يضمن له الحد الأدنى من مقومات الوجود؛ فلا جداراً يؤويه، ولا وظيفة تصون كرامته، ولا أمناً يطمئن به على عائلته.
​الوطن في جوهره ليس صرخة حماسية عابرة، بل هو منظومة حياة متكاملة تقوم على تبادلية الحقوق والواجبات. إنه قبل كل شيء، عقد اجتماعي عادل غايته موازنة كفة الواجب الوطني بكفة حق الإنسان في العيش الكريم. وحين تغيب العدالة، تسقط بالتبعية شرعية التضحية؛ إذ تتحول الوطنية من شعور فطري راسخ إلى خطاب أحادي باهت، لا يقنع عقلاً ولا يحيي روحاً.
إنّ المفارقة الموجعة التي تتكرر في كل أزمة هي أن يُنادى الفقراء والبسطاء في زمن المحنة للوقوف في الصفوف الأمامية، بينما في زمن السلام، تُغلق الأبواب وتُقسَم الامتيازات والمغانم على من يحملون الألقاب لا الجراح. فكيف يُطلب من المهمّش أَنْ يحمي مستقبلاً لا يراه، أو يذود عن وطن لا يوفّر لأطفاله تعليماً ولا يفتح لهم أفقاً للعيش؟
​الأوطان لا تخسر بمعداتها العسكرية بقدر ما تُستنزف معنوياً حين تُدفن أحلام شعوبها تحت أنقاض الظلم الاجتماعي، وحين يُختزل الوطن في سلطة بدلاً من أَنْ يُستثمر في إنسان.
​إنّ الوطن الذي يستحق أن نُفديه بالروح هو الذي:
​يبني البيوت قبل أن يحفر الخنادق.
​يؤمّن فرص العمل قبل أن يطالب بالأرواح.
​يحمي الأطفال بسلطان القانون والعدل قبل أن يطلب دماء آبائهم.
​إنّ الانتماء الحقيقي ليس نشيداً نردده في مواسم الخطر، بل هو إحساس عميق بالشراكة؛ حين يشعر المواطن أَنْ الوطن ينتمي إليه بالقدر الذي ينتمي هو فيه للوطن. لن يكون الوطن جديراً بالحب حتى يشعر بأبنائه، ولا مستحقاً للتضحية حتى يكون منصفاً معهم.

​الخلاصة
إنّ الوطن في ميزان المنطق والعدل، هو الذي يمنح أسباب الحياة أولاً، لا الذي يتذرع بالانتماء لتبرير الموت. فالمواطنة ليست مجرد ضريبة دم تُدفع عند الخطر، بل هي استحقاقُ كرامةٍ يُعاش في الرخاء. ولن يكون الوطن مستحقاً للتضحية ما لم يكن عادلاً مع أبنائه؛ فغاية الانتماء الأسمى ليست في أَنْ نموت لأجل الوطن، بل في أَنْ نجد وطناً يستحق أن نعيش فيه بكرامةٍ وإنصاف.

القاضي أنيس صالح جمعان 
  ٢٤ يناير ٢٠٢٤م