في المشهد الحضرمي الحالي .. ما الذي يجب فعلاً؟!

في المشهد الحضرمي الحالي .. ما الذي يجب فعلاً؟!

(الأول) غرفة الأخبار:

حضرموت اليوم لا تعيش حالة حرب، لكنها تعيش حالة توازن دقيق، فرضته طبيعة المجتمع ووعي أبنائه قبل أي عامل آخر، فبرغم الأحداث والتجاذبات التي شهدتها مؤخرا، ما تزال حضرموت ترفض بوضوح الانزلاق نحو الفوضى أو التحول إلى ساحة صراع مفتوح.

ففي المشهد العام الحالي، هناك سلطة محلية قائمة وحاضرة، وتعدّد في القوى والتأثيرات السياسية والاجتماعية والعسكرية، يقابله إجماع شعبي على حماية الاستقرار وتعزيز حضوره ورفض واسع لاستنساخ تجارب مناطق أخرى دفعت أثمانا باهظة جراء الصراع وغياب مؤسسات الدولة أو ضعفها، هذا الوعي الجمعي جعل من المجتمع الحضرمي عنصر توازن أساسي، لا تابعا ولا متفرجا، بل مؤثرا وفاعلا في إعادة ترتيب أوراق اللعبة أو حتى إنهائها.

وعلى امتداد تاريخها الطويل، لم تكن حضرموت يوما ضعيفة، لكنها كانت دوما حذِرة، فقد خبرت محاولات الإلحاق والضم والسيطرة منذ الأمد، وواجهت صورا نمطية سعت إلى تقديمها كمنطقة قابلة للهيمنة، فيما الوقائع القديمة والحديثة تؤكد أنها كانت دائما سبّاقة في استشعار المخاطر والتصدي لها، سياسيا واجتماعيا، قبل أن تتحول إلى أزمات مفتوحة وصراع لا ينتهي امده سريعا.

ولعل ما تخشاه حضرموت اليوم ليس الاختلاف، بل أن يُدار هذا الاختلاف من خارجها، أو أن تتحول إلى ورقة تفاوض في صراعات لا تعبّر عن مصالحها وتطلعات أبنائها ومستقبلهم، أو أن تُفرض عليها نماذج لا تنسجم مع خصوصيتها التاريخية والاجتماعية.

لذلكم فإن ما يجري فعليا على الأرض اليوم، هي صراع إرادات هادئ معظم الوقت وصاخب أحيانا بين من يريد لحضرموت أن تكون صاحبة قرارها في أي تسوية ومرحلة قادمة، وبين من يسعى لجرّها إلى مربعات الاستقطاب الأخرى بأنواعها وطرائقها، وحتى هذه اللحظة ما يزال وعي المجتمع الحضرمي وخصوصية موقعها وثرواتها وعمقها الاستراتيجي والحضاري وأهميتها لجوارها العربي من يفرض ضبط الإيقاع فيها ويحول دون انفجار أي صراع بداخلها أو حتى اقترابه منها.

لذلكم كله، لا ندعي باطلا إن جزمنا أن حضرموت تقف اليوم أمام اختبار مهم، فإما أن تثبيت توازنها وتحفظ استقرارها وقرارها عبر توافق داخلي ومشروع جامع، أو أن تترك الباب مواربا أمام تدخلات تعيد إنتاج الأزمات من جديد، والحقيقة التي لا يجب إغفالها مع كل ما حدث ويحدث، أن حضرموت رغم كل ما جرى لا تبحث عن الصراع البتة، لكنها في الوقت ذاته لا تقبل أن تكون ضحيته أو ساحة لتصفية الحسابات، فيكفيها ما حدث ومر خلال العقود الماضية.