من أجل مواطن واحد.. كيف حاصرت بريطانيا اليونان
من أجل مواطن واحد.. كيف حاصرت بريطانيا اليونان
الأول /متابعات
لم يكن الحصار البحري دائماً مقدمة لحرب شاملة، ففي إحدى أبرز الأزمات الدبلوماسية التي شهدتها أوروبا، تحولت قضية اعتداء على مواطن واحد إلى تحرك عسكري واسع شلّ حركة دولة كاملة.
أسطول بحري، وضغوط سياسية، وتدخلات دولية، رسمت مشهداً غير مألوف لعلاقات يفترض أنها تحالفية، في واقعة جسّدت كيف يمكن للدبلوماسية أن تُدار من فوهات المدافع.
في يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1805، عاشت القارة الأوروبية على وقع واحدة من أهم المعارك البحرية في التاريخ الحديث.
وفي ذلك اليوم، واجه الأسطول البريطاني، بقيادة الأميرال هوراسيو نيلسون، الأسطول الفرنسي–الإسباني المشترك قرب رأس الغار.
فيما أسفرت المواجهة عن سحق الأسطول البريطاني لخصومه، حيث خسر التحالف الفرنسي–الإسباني 18 سفينة، إضافة إلى مقتل وإصابة وأسر أكثر من عشرة آلاف من أفراده.
وعقب هذه المعركة، فرضت البحرية البريطانية هيمنتها على البحار والمحيطات، وصُنّفت القوة البحرية الأقوى في العالم حتى حدود الحرب العالمية الثانية.
خلال هذه المرحلة من التفوق، لم تتردد بريطانيا في اللجوء إلى ما عُرف ب"دبلوماسية مدافع الأسطول" لفرض مطالبها السياسية والاقتصادية، حتى وإن تعلق الأمر بدول حليفة لها.
استقلال صعب وأزمات متراكمة
في هذا السياق، كانت اليونان من بين الدول التي وجدت نفسها لاحقاً في مواجهة هذا الأسلوب البريطاني. فخلال عام 1830، نالت اليونان استقلالها رسمياً بدعم من بريطانيا وفرنسا وروسيا، بعد سنوات من الصراع ضد الدولة العثمانية.
غير أن الاستقلال لم يكن بوابة استقرار، إذ سرعان ما واجهت البلاد مصاعب كبيرة، تمثلت في ضعف اقتصادي حاد، وعجز مالي متفاقم، وتراكم هائل للديون.
سياسياً، لم تكن الأوضاع أفضل حالاً. فقد عاشت اليونان حالة من عدم الاستقرار، خاصة بعد تعيين الأمير البافاري أوتو ملكاً عليها. وبسبب اعتناقه المذهب الكاثوليكي، اصطدم الملك الجديد برفض شعبي واسع، في بلد كانت أغلبيته الساحقة من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية.
طقوس دينية تشعل أزمة سياسية
ومع مرور السنوات، تفجرت أزمة جديدة بين اليونان وحليفتها السابقة بريطانيا، على خلفية قضية المواطن اليهودي البريطاني ديفيد باسيفيكو، المعروف أيضاً باسم دون باسيفيكو.
وكان الأخير قد شغل لفترة منصب قنصل برتغالي في اليونان، مستفيداً من حمله الجنسية البرتغالية وتصنيفه كمواطن بريطاني في الوقت نفسه.
بعد عزله من منصبه، استقر دون باسيفيكو في أثينا، حيث تحول سريعاً إلى واحد من أثريائها البارزين.
وخلال عام 1847، زار الثري والمصرفي الفرنسي اليهودي جيمس ماير دي روتشيلد اليونان، لمناقشة إمكانية منح الحكومة اليونانية قرضاً مالياً.
بالتزامن مع هذه الزيارة، قررت السلطات اليونانية إلغاء شعائر حفل "حرق يهوذا"، وهو تقليد ديني قديم كانت تمارسه بعض المجتمعات الأرثوذكسية الأوروبية خلال عيد الفصح.
وجاء هذا القرار في محاولة لتجنب إثارة أزمة دينية أو سياسية قد تدفع روتشيلد إلى مغادرة البلاد، وبالتالي خسارة القرض المرتقب.
من احتجاج شعبي إلى إحراق منزل
غير أن هذا القرار الرسمي أثار موجة غضب عارمة بين سكان أثينا. ورداً على إلغاء الطقوس، توجه عدد من الأهالي إلى منزل دون باسيفيكو، حيث قاموا بإحراقه وإتلاف كمية كبيرة من الوثائق والممتلكات داخله.
وخلال هذه الأحداث، وُجهت اتهامات مباشرة لقوات الأمن اليونانية بالتواطؤ، إذ تحدث كثيرون عن امتناعها عن التدخل لحماية المنزل.
في المقابل، تداولت روايات أخرى معلومات عن مشاركة ابن أحد الوزراء اليونانيين في الاعتداء على منزل دون باسيفيكو، ما زاد من تعقيد المشهد وأضفى على الحادثة أبعاداً سياسية حساسة.
تعويض مرفوض وتدخل بريطاني
أمام هذا الوضع، طالب دون باسيفيكو السلطات اليونانية بالحصول على تعويض، متهماً إياها بالتقصير والتواطؤ في حمايته.
إلا أن الحكومة اليونانية رفضت هذه المطالب، وقللت من شأن الحادثة. عندها، دخلت بريطانيا على الخط، معلنة دعمها الصريح لمواطنها، وساعية لإجبار اليونان على دفع تعويض مالي.
ومن خلال وزير خارجيتها، اللورد بالمرستون، طالبت لندن أثينا بالاستجابة الفورية لمطالب دون باسيفيكو. وأمام مجلس العموم البريطاني، دافع بالمرستون بقوة عن موقف حكومته، مؤكداً أن من واجب بريطانيا حماية رعاياها أينما وجدوا، وهو خطاب حظي بدعم واسع داخل البرلمان.
حصار بحري باسم "العدالة"
ومع استمرار الرفض اليوناني، انتقلت بريطانيا من الضغوط الدبلوماسية إلى الفعل العسكري. ففي يناير (كانون الثاني) 1850، وصلت أكثر من عشر قطع حربية بريطانية إلى السواحل اليونانية، وفرضت حصاراً بحرياً خانقاً في إطار سياسة "دبلوماسية مدافع الأسطول".
وأدى هذا الحصار إلى شلّ التجارة البحرية اليونانية، إضافة إلى مصادرة عدد من سفنها.
واستمر الحصار حتى ربيع عام 1850، وسط انتقادات حادة من فرنسا وروسيا، اللتين تدخلتا في أكثر من مناسبة للتنديد بالتحركات البريطانية ضد اليونان. ومع تصاعد الضغوط الدولية، وجدت أثينا نفسها مضطرة إلى الرضوخ.
نهاية الأزمة.. بتعويض أقل
في نهاية المطاف، وافقت اليونان على تحمل المسؤولية، وتم تشكيل لجنة مشتركة للنظر في تفاصيل القضية. وأسفر ذلك عن قبول الحكومة اليونانية بدفع تعويض مالي لدون باسيفيكو، وإن كانت قيمته أقل بكثير مما طالب به في البداية، لتُطوى بذلك واحدة من أشهر الأزمات التي جسّدت استخدام القوة البحرية في خدمة السياسة الخارجية البريطانية.
