عدن في قلب الحوار (الجنوبي).. من المظلومية الى الإنصاف
في لحظة حاسمة من تاريخ الجنوب، تتطلع عدن وابناؤها الى أن يكون مؤتمر الحوار الجنوبي–الجنوبي منصة لإنهاء سنوات طويلة من التهميش وإعادة الاعتبار لدورها التاريخي والاقتصادي والسياسي، فهل ستتبوأ مدينة عدن موقعها الطبيعي في قلب القرار ام ستظل هامشا متجاهلا اومنسيا؟
في الحقيقة، الجنوبيون يتطلعون الى هذا المؤتمر بوصفه محطة مفصلية لإعادة الاعتبار لقضية الجنوب، وتعويضا معنويا وسياسيا عن سنوات طويلة من المعاناة والتهميش. غير أن المفارقة المقلقة أن الحوار شمل مختلف المحافظات الجنوبية، فيما بدت عدن – المدينة والقضية وأبناؤها – خارج معادلة التشاور وكأن العاصمة التي احتضنت الجميع باتت آخر من يُستدعى الى طاولة النقاش.
لا يمكن النظر الى المؤتمر باعتباره حدثا سياسيا او جغرافيا محضا. فالقضية الجنوبية مركبة ومتداخلة وتمتد ابعادها الى الاقتصاد والمجتمع والثقافة والحقوق والحريات. كما أن معالجتها لا ينبغي أن تُختزل في نتائج حرب 1994 فقط، بل يجب أن تعود الى جذورها منذ الاستقلال الوطني في نوفمبر 1967، حتى لا تُطمس حقوق عدن وابنائها في المعالجات المنصفة، سواء في التمثيل السياسي، التعيينات القيادية، الوظائف المدنية والعسكرية، او فرص العمل والمشاريع الخدمية.
لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار لعدن، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ونقابيا، وضمان الحريات الصحفية والإعلامية فيها حتى يكون للحوار معناه وجدواه. فعدن ليست هامشا جنوبيا بل عمقا و أولوية يجب أن تتصدر جدول اعمال الحوار باعتبارها اولى المدن التي تراكمت عليها المظالم. منذ ما بعد الاستقلال مباشرة، جرى إقصاء عدد كبير من ابنائها من ذوي الكفاءة والخبرة القيادية والإدارية والعلمية والعسكرية تحت ذرائع سياسية وأمنية، دون تحقيق قضائي، لتتواصل بعدها سياسات الإقصاء والنظرة السلبية تجاه المدينة واهلها عبر مراحل متعددة.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل امتد الى مصادرة حق عدن في كياناتها النقابية والمهنية والاجتماعية، واستبدال هويتها بتسميات عامة تمحو اسم المدينة وتاريخها في مشهد يعكس إصرارا غير معلن على طمس خصوصيتها وإفراغها من مضمونها المدني.
المفارقة المؤلمة أن عدن تُستنزف اليوم من الداخل بتناحرات سياسية وصراعات نفوذ تُدار على ارضها، وكأنها غنيمة لا مدينة. زحف ممنهج للعادات القروية الى فضائها المدني لا بوصفه تنوعا صحيا بل كأداة لطمس هويتها. تدمير للبنية التحتية، اهمال آثارها ومحاولات متكررة للقضاء على فنونها وادبها وموسيقاها، وايضا على علاقاتها الاجتماعية التي كانت تقوم على التعايش والاختلاف، جعل من المدينة ما يشبه "قرية حزينة" تبكي اطلالها دون رحمة.
من هنا، يصبح توسيع عنوان الحوار ضرورة سياسية وأخلاقية. إنصاف الجنوب يبدأ من إنصاف عدن من خلال الاعتراف بهويتها المدنية، حماية تنوعها، إعادة الاعتبار لدورها التاريخي، ووقف العبث الذي يُمارس باسم السياسة او الأمن او الواقع المفروض. كما أن اختيار مسمى الحوار الجنوبي–الجنوبي ليس تفصيلا لغويا، بل يعكس تشوش و ضيق أفق في مقاربة قضية بالغة التعقيد.
الأجدر أن يكون الحوار اوسع، تحت عنوان صريح: "الجنوب وإقليم عدن الاقتصادي والإداري السيادي المستقل". فعدن ليست كأي مدينة بل حالة تاريخية وإنسانية كوزموبوليتانية، تشكّلت عبر قرون من الانفتاح والتنوع، وامتازت بموقعها الفريد ومينائها التاريخي. إنها بوابة العالم الى المنطقة ومركزا دوليا للتجارة والملاحة وحركة البشر والثقافات. وإذا ما أُديرت مواردها وميناؤها بكفاءة ورؤية وطنية، فإنها تصبح شريانا اقتصاديا لليمن كله، وركيزة استراتيجية لتحويله من بلد مثقل بالأزمات الى لاعب فاعل في التجارة والخدمات البحرية الإقليمية والدولية.
فالحوار الحقيقي لا يدور فقط حول السلطة والجغرافيا والثروة، بل حول اي جنوب نريد واي عدن سنتركها للأجيال القادمة.


