ملف الأراضي في أبين على حافة الانفجار.. مشروع (سرمد) تحت نيران القبائل والقانون
أبين (الأول) خاص:
أثار إعلان المستشار فلاح الشهراني، مستشار قيادة قوات التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، عن وضع حجر الأساس لمشروع أُطلق عليه اسم "مدينة سرمد الاقتصادية" في منطقة العلم بمحافظة أبين، موجة واسعة من الرفض والاستنكار القبلي، بالتوازي مع تحذيرات قانونية من مخاطر الانخراط في ملف الأراضي دون ضوابط قانونية واضحة.
وفي هذا السياق، أصدرت أبناء وقبائل آل فضل بيانًا أكدت فيه رفضها القاطع لأي تفاهمات أو اتفاقات أو إجراءات تمس أراضيها وحقوقها دون الرجوع الصريح إلى أبنائها ومرجعياتهم القبلية والاجتماعية، معتبرة أن أي تصرف يتم خارج هذا الإطار يُعد باطلًا ولا يترتب عليه أي أثر قانوني أو اجتماعي.
وشدد البيان على أن أراضي آل فضل، بحدودها التاريخية والمعروفة، تمثل حقًا أصيلًا ثابتًا غير قابل للتجزئة أو التفريط، محذرًا من محاولات فرض أمر واقع تحت مسميات التنمية أو الاستقرار، ومحمّلًا الجهات التي تقف خلف تلك المحاولات كامل المسؤولية عن أي تداعيات قد تنجم عنها.
كما دعت قبائل آل فضل فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي، إلى اتخاذ موقف واضح يحمي الحقوق، ويمنع استغلال النفوذ أو الدعم لفرض ترتيبات تعسفية تمس أبناء محافظة أبين أو تهدد الأمن والاستقرار.
وفي موقف متوازٍ، عبّر حلف قبائل وأبناء الحوطة وتبن بمحافظة لحج عن استيائه الشديد من الإعلان ذاته، معتبرًا أن المشروع المعلن عنه، والذي قُدّرت مساحته بأكثر من 23 ألف فدان، يشكل تعديًا واضحًا على الحدود الجغرافية والتاريخية بين محافظتي لحج وأبين.
وأوضح الشيخ ياسر العزيبي، رئيس الحلف، أن الامتداد الجغرافي لمحافظة أبين غربًا معروف تاريخيًا منذ عهد السلطنة العبدلية، وأن الحدود بين المحافظتين موثقة ومعروفة، وقد سبق تثبيتها عبر لجان قبلية مشتركة من قبائل الفضلي والعبدلي، استنادًا إلى وثائق تاريخية معتمدة.
وأشار العزيبي إلى أن ضخامة المساحة المعلنة للمشروع تستوجب التوقف والمراجعة الجادة، مطالبًا الحكومة بإيقاف المشروع مؤقتًا، وتشكيل لجنة قانونية محايدة للفصل في وثائق الملكية والحدود الفاصلة بين محافظات لحج وأبين وعدن، محذرًا من أن الشروع في التنفيذ دون حسم قانوني قد يقود إلى نزاعات قبلية وفتن مجتمعية.
وفي السياق ذاته، وجّه المستشار القانوني نبيل العمودي رسالتين منفصلتين، الأولى إلى المستشار فلاح الشهراني، أشاد فيها بجهوده السابقة في دعم الاستقرار وتحسين الخدمات، محذرًا في الوقت نفسه من خطورة الانخراط في ملفات الأراضي والاستثمار العقاري، لما تحمله من تعقيدات تاريخية وحساسية اجتماعية قد تُستغل للإضرار بصورة المملكة أو ممثلها في اليمن.
وأكد العمودي أن قضية الأراضي في الجنوب تُعد من أعقد القضايا وأكثرها حساسية، وأن التعامل معها يتطلب أعلى درجات الحذر والشفافية، والاحتكام الصارم للقانون، بعيدًا عن أي توظيف غير مشروع لشعارات التنمية أو الاستثمار.
وفي رسالته الثانية، وجّه العمودي نداءً إلى النائب القائد اللواء أبو زرعة المحرّمي، دعا فيه إلى التحقق من المعلومات المتعلقة بالمشاريع الاستثمارية المطروحة في محافظات أبين وعدن ولحج، مشيرًا إلى أن المساحات المتداولة تثير تساؤلات مشروعة حول قانونيتها وضماناتها وحدودها الفعلية.
وشدد العمودي على ضرورة إبقاء المؤسسة الأمنية بمنأى عن أي صراعات أراضٍ أو مصالح استثمارية، مؤكدًا أن حماية السلم المجتمعي وصون الحقوق يجب أن تكون أولوية قصوى في هذه المرحلة الحساسة.
وفي سياق متصل، أعاد ناشطون التذكير ببيان تحذيري كان قد أصدره مكتب الشؤون القانونية بالسلطة المحلية في محافظة أبين مطلع العام الماضي، بشأن ما تم تداوله حينها عن وثائق تُفيد بصرف مساحة تقدر بـ 22 ألف فدان لأحد المستثمرين.
وأوضح المكتب، عقب تحريات رسمية، أن الوثائق المتداولة غير صحيحة، ولا تتطابق مع النماذج المعتمدة في الهيئة العامة للأراضي والمساحة والتخطيط العمراني، مؤكدًا عدم صحة تلك الوثائق أو توقيعهم عليها.
وأكد مكتب الشؤون القانونية استعداده لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حال طرح أي قضية بشكل رسمي، داعيًا وسائل الإعلام والناشطين إلى تحري الدقة والمصداقية، وتجنب نشر الأخبار الزائفة أو الإشاعات التي قد تسهم في إثارة البلبلة وزعزعة السلم المجتمعي.
وفي الختام، شدد الجميع على أن ما يُسوَّق له تحت لافتة "التنمية" لا يمكن أن يمرّ فوق الحقوق أو يُفرض عبر الغموض والتجاوزات، مؤكدين أن العبث بملف الأراضي ليس مشروع استثمار، بل وصفة مفتوحة لإشعال النزاعات وزعزعة السلم المجتمعي.
وحمّلوا الجهات التي تقف خلف هذه المشاريع الغامضة كامل المسؤولية عن أي فوضى أو صراع قد ينجم عنها، مشيرين إلى أن الاستقرار لا يُصنع بفرض الأمر الواقع ولا بتجاهل القانون، بل بإيقاف هذه المشاريع فورًا، والاحتكام الصريح لمؤسسات الدولة، ووضع حدّ لكل محاولات الالتفاف على الحقوق تحت مسميات براقة لا تخفي حقيقتها.


