عودة الحكومة إلى عدن.. اختبار الحضور الحقيقي بين الشارع واستعادة هيبة الدولة
تشكل عودة دولة رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين الدكتور شائع محسن الزنداني إلى العاصمة عدن، برفقة عدد من اعضاء الحكومة، بعد زيارة قصيرة إلى المملكة العربية السعودية محطة سياسية مهمة، تحمل في طياتها رسائل متعددة تتجاوز البعد البروتوكولي إلى أبعاد سياسية وإدارية أعمق، في ظرف استثنائي تمر به البلاد .
ففي ظل التحديات المتراكمة التي تعيشها اليمن، تأتي هذه العودة لتؤكد أن الحكومة تدرك أهمية الحضور الميداني، وأن إدارة الدولة لا يمكن أن تتم من الخارج أو عبر الغياب الطويل عن واقع الناس، إن التواجد داخل الوطن، وبين المواطنين، ليس مجرد خطوة رمزية، بل هو التزام عملي يعكس جدية التوجه نحو إعادة تفعيل مؤسسات الدولة وتعزيز ثقة الشارع بالسلطة التنفيذية .
كما أن عودة رئيس الحكومة إلى عدن تعكس إدراكًا متزايدًا بأن المرحلة الحالية تتطلب قيادة حاضرة وقريبة من تفاصيل الحياة اليومية، قادرة على ملامسة الأزمات الاقتصادية والخدمية، والتعامل معها بواقعية ومسؤولية، فالمواطن اليوم لا يبحث عن خطابات، بقدر ما ينتظر حلولًا ملموسة تُخفف من معاناته وتعيد له الشعور بوجود دولة فاعلة .
وتحمل هذه الخطوة أيضًا دلالات سياسية تتعلق بإعادة تموضع الحكومة داخل المشهد الوطني، وتعزيز دور العاصمة المؤقتة عدن كمركز لصنع القرار وإدارة الشأن العام، فاستمرار عمل الحكومة من الداخل يسهم في تقوية مؤسسات الدولة، ويحد من حالة الازدواجية أو الانفصال بين السلطة والمجتمع .
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في العودة بحد ذاتها، بل في ما يليها من خطوات عملية، فالمطلوب اليوم هو ترجمة هذا الحضور إلى قرارات جريئة وإصلاحات حقيقية، تبدأ بمحاربة الفساد، وتفعيل الأجهزة الرقابية، وإعادة هيكلة المؤسسات على أسس الكفاءة والنزاهة، بعيدًا عن المحاصصة والنفوذ .
إن نجاح هذه العودة مرهون بقدرة الحكومة على تحويلها إلى نقطة انطلاق جديدة، تعيد الاعتبار للعمل المؤسسي، وتؤسس لمرحلة مختلفة عنوانها القرب من المواطن، والشفافية في الأداء، والجدية في معالجة الأزمات، فالتاريخ لن يتوقف عند لحظة العودة، بل سيسجل ما إذا كانت هذه الخطوة قد شكلت تحولًا حقيقيًا في مسار الدولة، أم أنها ظلت مجرد حدث عابر في سياق سياسي معقد .
وفي المحصلة، فإن عودة رئيس الوزراء إلى عدن تمثل فرصة سياسية ينبغي استثمارها بوعي ومسؤولية، لتأكيد أن الدولة قادرة – رغم كل التحديات – على استعادة حضورها، وبناء جسور الثقة مع مواطنيها، والانطلاق نحو مسار أكثر استقرارًا وفاعلية .


