التفاخر الإعلامي بالعمل الإنساني والخيري
مسعود عمشوش
من المعلوم أن ديننا الإسلامي الحنيف قد دعا إلى العمل الإنساني والخيري، بل وأوجبه في كثير من الحالات. فزيارة المريض واجب، وقضاء حاجة المحتاج والمعسر كذلك. ومن منّا لم يقرأ قصة الخليفة عمر بن الخطاب مع المرأة التي توهم أطفالها بوجود طعام في قدر به ماء لتسكين جوعهم، فبكى وبادر بنفسه بحمل الطعام من بيت مال المسلمين وطبخه لهم بنفسه. أنها قصة تجسّد حرص الإسلام على تحقيق العمل الإنساني والعدل والرحمة والمسؤولية.
واليوم يقوم كثير من الأفراد والجمعيات والمؤسسات ببعض الأعمال الخيرية والإنسانية، لا سيما في شهر رمضان وأيام الأعياد. وهذا عمل يشكرون عليه. لكن نلاحظ كذلك أن بعض أولئك القائمين بالأعمال الخيرية والإنسانية قد تأثروا بوسائل الإعلام والترويج الرقمي وأصبحوا يحرصون على توثيق ما يقومون به من أعمال خيرية أو إنسانية بأحدث الأجهزة الرقمية المتطورة ويسارعون في نشر صورهم في القنوات والإذاعات وفي المواقع الإعلامية وفي مختلف وسائل التواصل الإعلامي.
وخلال شهر رمضان المنصرم وأيام العيد شاهدنا نشاطا محموما لأفراد وهم يقومون بزيارة بعض المسنين والمرضى والمقعدين أو تقديم بعض المساعدات والمواد الإغاثية المقدمة من بعض الهيئات والمؤسسات الخيرية الخارجية. واللافت في الظاهرة هو أن معظم تلك الأعمال الإنسانية أو الخيرية قد جرى توثيقيها بعناية ودقة، وشاهدناها في التلفزيون والفيس بوك ومختلف وسائل التواصل الاجتماعي.
ويدفعنا تصدر صور بعض الشخصيات السياسية والدينية والاجتماعية ومسؤولي المؤسسات الخيرية وسائل الإعلام المختلفة إلى وضع عدد من التساؤلات حول الغرض الحقيقي للمبالغة في التقاط تلك الصور والتوثيق: هل هو مجرد بروباجندا للترويج الشخصي أو تفاخر إعلامي بالعمل الخيري والإنساني؟ أو أنه ضرورة للتعريف الإعلامي لنشاط المؤسسات الخيرية، وأداة فعالة لتعزيز ثقافة العطاء والعمل الخيري وتعزيز الشفافية، وحشد الدعم للمحتاجين والتربية على العمل الإنساني الخيري وتوثيقه بوصفه واجبا دينيا وحضاريا؟
ومن المؤكد أن التفاخر الإعلامي بالعمل الخيري سلاح ذو حدين؛ فبينما يمكن أن نعده أداةً فعالة لتعزيز ثقافة الشفافية والعطاء والحصول على الدعم للمحتاجين، فهذا الكم الهائل من الصور والتوثيق يكاد يتحول إلى استعراض أو show شو إعلامي يمس خصوصية الأشخاص الذين نقوم بزيارتهم أو دعمهم.
وفي اعتقادي أن هذا المجال يحتاج إلى مراعاة توازن دقيق بين ضرورة تعزيز سمعة المؤسسة الخيرية، وبين صون كرامة الأشخاص والفئات المحتاجة مع التركيز على المسؤولية الأخلاقية في التغطية. ولنا أن نتخيل أن الخليفة عمر بن الخطاب قد اصطحب معه مساء ذلك اليوم فريقا إعلاميا متكاملا ليوثق ما قدمه للمرأة وأولادها.


