بين إدارة الأزمة وصناعة الفرصة.. لماذا لا يجوز تأجيل الاستثمار

بين إدارة الأزمة وصناعة الفرصة.. لماذا لا يجوز تأجيل الاستثمار

بقلم/ د.رشيد صالح بارباع

*عضو مجلس الشورى - وزير النفط الأسبق

في خضم النقاشات الدائرة حول واقع اليمن، يتكرر تساؤل يبدو منطقيًا في ظاهره: كيف يمكن الحديث عن الاستثمار في ظل تحديات اقتصادية ومعيشية خانقة؟ وهل يجوز تجاوز أولويات ملحّة كالكهرباء والمشتقات النفطية واستقرار الأسواق؟.. هذا التساؤل مشروع، لكنه يعكس في عمقه خللًا في فهم العلاقة بين إدارة الحاضر وصناعة المستقبل.

تُظهر التجارب أن النظر إلى الاستثمار، خصوصًا في القطاعات الاستراتيجية كالنفط والمعادن، باعتباره ترفًا فكريًا أو انشغالًا نظريًا بعيدًا عن هموم الناس اليومية، هو تصور قاصر.. بل إن هذا الطرح يتجاهل أن الاستثمار ليس خيارًا مؤجلًا، بل أداة جوهرية لمعالجة الأزمات وتحويلها إلى فرص قابلة للنمو والاستدامة.

هذه الرؤية المحدودة، رغم وجاهتها الظاهرية، تقود عمليًا إلى نتيجة خطيرة تتمثل في تكريس الأزمة بدل معالجتها. فالتعامل مع التحديات عبر حلول آنية فقط، دون بناء مسارات اقتصادية مستقبلية، يعني البقاء في دائرة الاستنزاف المستمر، حيث تُدار الأزمات دون أن تُحل جذورها بشكل فعلي ومستدام.

لا خلاف على أن الحكومات مطالبة بالتحرك العاجل لتأمين الخدمات الأساسية وتحسين الظروف المعيشية. غير أن الاكتفاء بهذا المسار دون تأسيس قاعدة استثمارية متينة سيُبقي جذور الأزمة قائمة.. فالحلول الحقيقية لا تُبنى على الإدارة اليومية وحدها، بل على خلق موارد دخل مستدامة تُعيد تشكيل الاقتصاد الوطني.

اليمن اليوم بحاجة إلى مقاربة متوازنة تجمع بين إدارة فعالة للحاضر ورؤية استراتيجية للمستقبل. غير أن التحدي لا يقتصر على تبني هذا التصور، بل يمتد إلى إعادة بناء الأدوات المؤسسية القادرة على تحويله إلى واقع عملي، بما يضمن التكامل بين التخطيط والتنفيذ في بيئة معقدة ومتغيرة.

يبرز أحد أوجه القصور في ضعف التنسيق بين المؤسسات، خاصة بين الدبلوماسية والقطاعات الاقتصادية. ففي عالم اليوم، لم تعد السفارات مجرد قنوات سياسية، بل منصات اقتصادية فاعلة.. ومع ذلك، فإن غياب المعلومات الدقيقة والآليات الفعالة يحدّ من قدرتها على جذب الاستثمارات وتعزيز الشراكات الدولية.

الحل يبدأ ببناء منظومة معلومات استثمارية وطنية متكاملة، تُغذي صانع القرار وتدعم البعثات الخارجية ببيانات دقيقة ومشاريع قابلة للتسويق. فالمستثمر لا ينجذب إلى الوعود العامة، بل يبحث عن وضوح الرؤية، وتحديد الفرص، وشفافية المعلومات التي تعكس بيئة استثمارية جادة ومقنعة.

لكن توفر المعلومات وحده لا يكفي، إذ يتطلب اتخاذ القرار في بيئة معقدة وجود عقول استراتيجية قادرة على التفكير بعيدًا عن ضغط اللحظة.. ومن هنا تبرز أهمية إنشاء مجالس استشارية نوعية ترتبط برئاسة الحكومة، لتكون منصات تفكير مرنة تدعم القرار وتوجهه نحو فرص النمو العالمية.

هذه المجالس يجب أن تنفتح على السوق الدولي، لا أن تنغلق في الإطار التنظيمي المحلي.. فالطاقة اليوم لم تعد مقتصرة على النفط والغاز، بل أصبحت جزءًا من منظومات أوسع تشمل الطاقة النظيفة والمعادن الحيوية.. وكذلك الحال للمعادن الاستراتيجية التي تحولت إلى مدخل رئيسي لصناعات ذات قيمة مضافة عالية.

رغم التحديات، يمتلك اليمن عناصر قوة لا يمكن تجاهلها، من موقع جغرافي استراتيجي على أحد أهم الممرات البحرية، إلى موارد طبيعية واعدة، وسوق إعادة إعمار واسعة. المشكلة ليست في غياب الفرص، بل في ضعف تقديمها للعالم بلغة اقتصادية احترافية تعكس جدواها وإمكاناتها الحقيقية.

كما يمتلك اليمن شبكة علاقات دولية تمتد من آسيا إلى أفريقيا والعالم العربي، يمكن تحويلها إلى شراكات اقتصادية فاعلة إذا ما أُديرت بشكل منهجي. فالدول لا تستثمر بدافع التعاطف، بل وفق مصالح واضحة، ما يتطلب إعادة تقديم اليمن كشريك اقتصادي محتمل لا كحالة إنسانية فقط.

إن تأجيل الاستثمار إلى ما بعد الاستقرار ليس إلا تأجيلًا للاستقرار ذاته. فالتجارب العالمية تثبت أن الاستثمار يمكن أن يكون جزءًا من الحل حتى في البيئات الصعبة.. واليمن اليوم بحاجة إلى إعادة تعريف نفسه كبلد غني بالفرص، قادر على الجمع بين إدارة التحديات وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.