الحراك الثوري الجنوبي من (الساحات) إلى (التشرذم).. قراءة في كواليس انقلابات مكتبه السياسي وقياداته!!
في خطوة تمثل زلزالاً تنظيمياً داخل أحد أقدم الكيانات السياسية في الساحة الجنوبية، أعلن المكتب السياسي لمجلس الحراك الثوري الجنوبي أمس 19 أبريل 2026 إعفاء وفصل فادي حسن باعوم من رئاسة المكتب، وتجريده من كافة صفاته التنظيمية والسياسية.
قراءة تحليلية (الأول) القسم السياسي:
القرار الذي جاء برعاية معلنة من قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي ممثلة برئيسه عيدروس الزُبيدي، لم يكن مجرد إجراء إداري، بل هو تتويج لمسار طويل من التجاذبات والانقسامات التي تعصف بالمجلس، ويحمل دلالات عميقة حول مستقبل الكيانات الجنوبية وتوازنات القوى في العاصمة عدن.
إنهاء حقبة (باعوم)!
جاء البيان الصادر عن الاجتماع الاستثنائي للمكتب السياسي ليضع حداً لما وصفه بـ "التجاوزات الخطيرة" و"التفرد بالقرار" من قبل فادي باعوم. وقد شملت القرارات اتخاذ خطوات حاسمة لإعادة هيكلة المجلس، أبرزها:
العزل التام: فصل فادي باعوم وإلغاء كافة قراراته السابقة المتعلقة بالترفيعات أو الإقالات التعسفية لقيادات الحراك في عدن.
القيادة الجديدة: تعيين علي محمد صالح بن شحنة رئيساً لمجلس الحراك بالجنوب (وترشيحه لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي)، والدكتور محمد علي ثابت الصبيحي رئيساً للمكتب السياسي.
الاندماج الكامل: التأكيد الصارم على التمسك بالميثاق الوطني الجنوبي (مايو 2023) والمضي "صفاً واحداً" خلف قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي.
من الساحات إلى التفكك
لم يكن مجلس الحراك الثوري الجنوبي وليد اللحظة، بل ارتبط اسمه بأسرة "باعوم" التي كان لها الدور الأبرز في إشعال شرارة الحراك السلمي الجنوبي عام 2007، إلا أن المجلس عانى من سلسلة متتالية من التشرذمات والانقسامات، يمكن تلخيصها في المحطات التالية:
صراع الأجنحة: عانى المجلس لسنوات من انقسامات بين جناحي حسن باعوم (والد فادي) وقيادات أخرى، مما أدى إلى تفريخ المجلس إلى عدة نسخ تحمل نفس الاسم بمرجعيات مختلفة.
التقلبات السياسية: اتسمت سياسة فادي باعوم بالتقلب في التحالفات، حيث عارض المجلس الانتقالي بشدة في بداياته، قبل أن يعود إلى عدن ويوقع على "الميثاق الوطني الجنوبي" ويندمج في قوام الانتقالي.
فقدان السيطرة التنظيمية: تكشف قرارات الإقالة الأخيرة أن فادي باعوم، ورغم اندماجه، حاول الاحتفاظ بهامش من الاستقلالية والمناورة عبر اتخاذ قرارات فردية وتعيينات أحادية، مما أثار حفيظة القيادات الوسطى والعليا داخل فصيله، ودفعها للإطاحة به بتغطية ودعم من المجلس الانتقالي.
مصير (القيادات)
بناءً على المعطيات الحالية والبيان الأخير، يمكن استشراف مستقبل مجلس الحراك الثوري وقيادته السابقة في ثلاثة مسارات:
ذوبان المجلس في (الانتقالي)
القيادة الجديدة برئاسة "بن شحنة" لن تعمل ككيان مستقل، بل كذراع تنظيمي تابع بالكامل للمجلس الانتقالي. ترشيح بن شحنة لعضوية هيئة رئاسة الانتقالي يؤكد هذا التوجه؛ حيث سيتحول "الحراك الثوري" من مكون سياسي حليف إلى مجرد "دائرة" أو تيار منسجم تماماً مع سياسات الانتقالي، فاقداً لأي قدرة على اتخاذ قرارات مصيرية منفردة.
عودة باعوم للمربع الأول
أمام فادي باعوم خيارات صعبة ومحدودة. من المرجح ألا يعترف بهذه القرارات، وقد يلجأ إلى إصدار بيانات مضادة يعتبر فيها ما حدث "انقلاباً"، وربما يعلن تشكيل نسخة جديدة من المجلس. لكن بالنظر إلى السيطرة المطلقة للمجلس الانتقالي على الأرض في عدن والجنوب، فإن أي كيان سيشكله باعوم سيبقى خارجياً أو فاقداً للتأثير الميداني الحقيقي، مما يهدد بإنهاء مستقبله السياسي كفاعل رئيسي في الداخل الجنوبي.
السقاف معول التفكك
يُعد مسار "مجلس الحراك الثوري" الذي قاده عبدالرؤوف السقاف نموذجاً حياً لحالة التشظي والاستقطاب التي تعيشها المكونات الجنوبية، وهو مسار انتهى مؤخراً بصدام سياسي حاد وإعلان "الوفاة التنظيمية" للمجلس لصالح الاندماج الكلي.
ففي منتصف أبريل 2026، برزت تحركات مفاجئة من قبل عبدالرؤوف السقاف سعى من خلالها للعمل خارج إطار المجلس الانتقالي الجنوبي، وقوبلت تحركات السقاف الأخيرة برفض قاطع وعنيف من قبل القيادات والقواعد السابقة لمجلسه (التي أصبحت منضوية تحت المجلس الانتقالي). وقد تحدد مصير حراكه في النقاط التالية وفقاً للبيانات الصادرة في منتصف أبريل 2026:
النهاية المتوقعة!!
يُسدل هذا التطور الستار على حقبة المناورات السياسية داخل أروقة المكونات الجنوبية في عدن. إقالة فادي باعوم ليست مجرد تغيير في هرم السلطة لكيان فرعي، بل هي إعلان غير رسمي عن مرحلة الهيمنة الأحادية للمجلس الانتقالي على كافة المكونات الموقعة على الميثاق الوطني، وتأكيد على أن قطار توحيد الصف الجنوبي يسير باتجاه واحد لا مجال فيه للرجوع إلى مربع التشرذم والتفرد.


