آباء يتحولون إلى جلادين.. حين يدفع الأبناء ثمن الخلافات الأسرية
(الأول) متابعات
في مشهد صادم يهزّ الضمير الإنساني، تتكرر قصص الأطفال الذين يتحولون إلى ضحايا للعنف الأسري والخلافات بين الأبوين، حيث يصبح الطفل الحلقة الأضعف في معارك الكبار، يدفع الثمن من طفولته وأمانه النفسي وجسده الصغير. ومؤخرًا، أعادت حادثة الطفل محمد صالح في عدن فتح ملف خطير يتعلق باستخدام بعض الآباء للقوة والعنف ضد أبنائهم، وتحويل الأبوة من مصدر حماية واحتواء إلى مصدر خوف وألم.
أطفال تحت رحمة الغضب الأسري
الطفل بطبيعته لا يفهم تعقيدات الخلافات الزوجية ولا أسباب الانفصال بين والديه، لكنه يشعر جيدًا بفقدان الحنان والأمان. وعندما يُحرم من أحد والديه، يعيش حالة من الاضطراب النفسي والقلق والخوف، وقد يتحول طلبه البسيط برؤية والدته أو والده إلى “جريمة” يُعاقب عليها بعنف وقسوة.
وفي كثير من البيوت، يصبح الأبناء وسيلة لتصفية الحسابات بين الزوجين بعد الانفصال، حيث يُستخدم الطفل كورقة ضغط أو أداة انتقام، دون أي مراعاة لما قد يتركه ذلك من آثار نفسية خطيرة تمتد لسنوات طويلة.
العنف الأسري.. جروح لا تُرى
الضرب والإهانة والصراخ ليست مجرد لحظات غضب عابرة، بل جروح عميقة تترك أثرًا دائمًا في نفسية الطفل. ويؤكد مختصون في علم النفس أن الطفل الذي يتعرض للعنف من والديه يفقد شعوره بالأمان والثقة، خاصة عندما يتحول الشخص الذي يُفترض أن يحميه إلى مصدر تهديد وخوف.
كما أن العنف الأسري يؤدي إلى نتائج كارثية، أبرزها:
اضطرابات نفسية واكتئاب مبكر.
ضعف الثقة بالنفس والشعور بالدونية.
العزلة والانطواء والخوف المستمر.
الميل إلى العنف مستقبلًا.
تراجع المستوى الدراسي والسلوكي.
اضطرابات النوم والقلق المزمن.
ويحذر مختصون من أن الطفل المعنّف قد يحمل آثار التجربة معه طوال حياته، حتى بعد اختفاء آثار الضرب من جسده.
عندما تتحول الأبوة إلى سلطة قاسية
الأبوة ليست سلطة مطلقة، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية تقوم على الرحمة والرعاية والحماية. لكن بعض الآباء يخلطون بين التربية والعنف، معتقدين أن القسوة وسيلة للتأديب، بينما الحقيقة أن الضرب لا يصنع طفلًا سويًا، بل يخلق إنسانًا محطمًا من الداخل.
ويؤكد ناشطون حقوقيون أن تبرير تعنيف الأطفال تحت مسمى “التربية” يعد خطرًا كبيرًا يساهم في استمرار الانتهاكات داخل المنازل بعيدًا عن أعين المجتمع والقانون.
الأطفال ضحايا الانفصال الأسري
الانفصال بين الزوجين لا يعني نهاية مسؤولية الأب أو الأم تجاه الأبناء، بل يفترض أن يكون الحفاظ على نفسية الطفل واستقراره أولوية قصوى. إلا أن الواقع يكشف أن كثيرًا من الأطفال يعيشون صراعات قاسية بعد الطلاق، بين الحرمان من أحد الوالدين أو التعرض للتحريض والعنف النفسي والجسدي.
ويؤكد مختصون أن حرمان الطفل من رؤية أحد والديه أو استخدامه للضغط والانتقام يؤدي إلى آثار مدمرة على شخصيته وتوازنه النفسي، وقد يفقده الشعور بالانتماء والأمان العائلي.
صمت المجتمع يزيد الكارثة
الكثير من حالات تعنيف الأطفال تبقى حبيسة جدران المنازل بسبب الخوف أو الصمت المجتمعي، ما يسمح باستمرار الانتهاكات دون محاسبة. ويرى حقوقيون أن تجاهل المجتمع لمثل هذه القضايا يساهم بشكل مباشر في تفاقمها، مؤكدين أن حماية الأطفال مسؤولية جماعية وليست شأنًا عائليًا خاصًا.
كما طالب ناشطون بضرورة:
تشديد القوانين الخاصة بحماية الأطفال.
محاسبة كل من يمارس العنف الأسري.
توفير مراكز حماية ودعم نفسي للأطفال.
نشر الوعي بخطورة التعنيف الأسري.
تعزيز دور المدارس والمجتمع في اكتشاف حالات العنف.
الطفولة ليست ساحة انتقام
الطفل لا ذنب له في خلافات الكبار، ولا يجب أن يتحول إلى ضحية لصراعات لا يفهمها. فالطفولة تحتاج إلى الحب والطمأنينة والاحتواء، لا إلى الضرب والإهانة والخوف.
ويبقى السؤال المؤلم: كم طفلًا يعيش اليوم خلف الأبواب المغلقة تحت وطأة العنف والصمت؟ وكم طفولة تُسرق يوميًا بسبب آباء نسوا أن الرحمة هي أساس التربية؟
إن حماية الأطفال ليست خيارًا، بل واجب إنساني وأخلاقي وقانوني، لأن بناء مجتمع سليم يبدأ من حماية أطفاله ومنحهم الحق في العيش بأمان وكرامة بعيدًا عن العنف والقسوة.



