القضية الجنوبية.. بين وحدة الصف وتكاثر المكونات السياسية
في اللحظات السياسية المفصلية، لا تقاس قوة القضايا بعدد الشعارات المرفوعة، ولا بكثرة المكونات التي تتحدث باسمها، بل بقدرتها على انتاج رؤية موحدة تعبر عن تطلعات الناس وتحمي أهدافهم من التبدد وسط التنافسات والحسابات الضيقة. ومن هنا يكتسب عقد مؤتمر جنوبي–جنوبي أهمية استثنائية، لأنه لا يعد مجرد فعالية سياسية او لقاء بروتوكولي، بل محطة مفصلية يفترض أن تعيد ترتيب البيت الجنوبي على قاعدة الشراكة والتوافق وتوحيد الموقف تجاه مستقبل الجنوب ضمن اي تسوية سياسية شاملة قادمة.
غير أن نجاح اي مؤتمر جنوبي لن يتحقق بمجرد جمع المكونات والاسماء في قاعة واحدة، لأن جوهر القضية لا يكمن في الحضور الشكلي، بل في وجود إرادة سياسية حقيقية تتجاوز الحسابات الذاتية والمصالح الضيقة لصالح مشروع وطني جنوبي جامع. فالقضية الجنوبية لم تكن يوماً قضية نخب او كيانات متصارعة على التمثيل، وإنما قضية شعب يمتلك تاريخاً سياسياً وهوية وطنية وتطلعات مشروعة تتعلق بالإنصاف واستعادة الحقوق وبناء شراكة عادلة تضمن للجنوب مكانته واستحقاقاته.
لقد افرزت سنوات الحرب والانقسامات الجنوبية حالة غير مسبوقة من تكاثر المكونات السياسية، حتى تحول المشهد الى فسيفساء من الكيانات المتناثرة، اقرب الى ازدحام شكلي منه الى تعبير حقيقي عن حيوية سياسية فاعلة. فبعض هذه المكونات لا يتجاوز عدد اعضائها العشرات، ومع ذلك تقدم بوصفها ممثلاً سياسياً لقضية بحجم الجنوب. وهنا تكمن الخطورة؛ لأن الافراط في انتاج المكونات الصغيرة لا يوسع دائرة التمثيل بقدر ما يشتت القرار الجنوبي ويضعف القدرة على صياغة موقف موحد، فضلاً عن منحه شرعية شكلية لحضور لا يعكس حقيقة المزاج الشعبي الجنوبي ولا تطلعات أبنائه.
ومن هنا، فإن الاستعداد للمشاركة في اي مؤتمر جنوبي–جنوبي يجب أن ينطلق من الإيمان بأن وحدة الصف الجنوبي ليست خياراً تكتيكياً مؤقتاً، بل ضرورة سياسية ووطنية لحماية القضية من محاولات الاحتواء والتفكيك والافراغ من مضمونها الحقيقي. فكلما ظهر الجنوب متماسكاً وموحد الرؤية، ازدادت قدرته على فرض حضوره في معادلة الحل السياسي وانتزاع الاعتراف بحقوقه وما يتطلع اليه الجنوبيون.
إن الجنوب اليوم لا يحتاج الى مزيد من المكونات واليافطات السياسية، بقدر حاجته الى مشروع وطني جامع يعيد ترتيب الأولويات ويؤسس لشراكة حقيقية بين مختلف القوى الجنوبية. كما أن المرحلة الراهنة تتطلب قدراً عالياً من المسؤولية السياسية لايقاف حالة الانقسام والانتقال نحو صيغة توافقية تحافظ على القضية الجنوبية كقضية شعب وهوية وحقوق، لا كأداة للصراع السياسي الداخلي.
ولذلك، فإن الدعوة الى وحدة الصف الجنوبي تكتسب بعداً مصيرياً في هذه المرحلة، لأنها تمثل الضمانة الحقيقية لحماية القضية الجنوبية من التهميش او الذوبان داخل ترتيبات الحل السياسي الشامل. فالقضايا الكبرى لا تنتصر بكثرة المتحدثين باسمها، بل بوضوح مشروعها وقدرتها على توحيد أبنائها حول هدف وطني جامع يعبر عن تطلعات الناس ويحفظ حقوقهم ومستقبلهم.



