بين خطاب الرئيس العليمي في ذكرى الوحدة ومخرجات مؤتمر الحوار.. الجنوب في قلب المعادلة السياسية
لم يكن خطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي بمناسبة العيد الوطني الـ 36 للجمهورية اليمنية مجرد استعراض بروتوكولي للمناسبة، بل جاء بمثابة (إعادة ضبط بوصلة) سياسية وقراءة واقعية متطورة تلتقط خيوط مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل (2014) لتربطها بـ المعادلة الجيوسياسية المعقدة لعام 2026.
قراءة (الأول) محمد حسين الدباء:
وفي خطوة سياسية متقدمة حملت أبعاداً تصالحية غير مسبوقة، جاء خطاب الرئيس العليمي ليمثل حالة تماهٍ كاملة وإيجابية مع تطلعات الشارع الجنوبي، متبنياً (القضية الجنوبية) ليس كملف هامشي، بل كـ (جوهر وأساس) لأي تسوية سياسية عادلة وشاملة في البلاد.
وهذا الخطاب لم يكن مجرد استعراض للمناسبة التاريخية، بل شكّل قراءة تحليلية وتنفيذية شجاعة أعادت الروح إلى مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل (2014)، مجسدةً إياها في واقع عام 2026 عبر رؤية رئاسية تؤمن بأن إنصاف الجنوب هو المفتاح الأول لاستقرار اليمن والمنطقة.
إنصاف الجنوب التزام رئاسي
تحليلياً، تميز خطاب الرئيس العليمي بجرأة سياسية ونبرة إنصاف واضحة تماهت بشكل كامل مع جذور القضية الجنوبية التي لخصها فريق الحوار الوطني سابقاً (فريق 8+8). الرئيس لم يتردد في التأكيد على أن:
- إنصاف القضية الجنوبية وجبر الضرر ومعالجة آثار الماضي هي التزامات ثابتة وراسخة لا رجعة عنها.
- الشراكة العادلة في السلطة والثروة هي حق أصيل لا يقبل المقايضة لجميع اليمنيين.
- تمكين أبناء الجنوب وكافة المواطنين من التعبير الحر عن تطلعاتهم السياسية والاقتصادية والثقافية في ظروف طبيعية.
وهذا التبني الإيجابي الصريح ينقل القضية الجنوبية من دائرة (المطالب التظلمية) إلى دائرة (الالتزام الدستوري والرئاسي الملزم)، معتبراً أن القضية الجنوبية هي الركيزة الأساسية للتماسك الوطني وشرط الصمود في معركة التحرير واستعادة الدولة.
قرار مايو 2023 شاهد إثبات
لم يقف التماهي الإيجابي للرئيس العليمي عند حدود الوعود الشفهية أو الحبر على الورق؛ بل تُرجمت فلسفة (جبر الضرر) التي نصت عليها مخرجات الحوار الوطني (وتحديداً النقاط العشرين لإجراءات بناء الثقة) إلى قرارات تنفيذية ملموسة تهز الأرض إدارياً ومالياً.
ويبرز هنا القرار التاريخي الشجاع الذي أصدره الرئيس العليمي في مايو 2023، والذي قضى بإعادة نحو 53 ألف موظف من المدنيين والعسكريين الجنوبيين الذين أُقصوا قسراً عقب حرب صيف 1994 إلى وظائفهم وتسوية أوضاعهم، حيث دفعت الحكومة في سبيل ذلك ميزانية ضخمة بلغت نحو 4 مليارات ريال شهرياً، لتتحول مخرجات الحوار من أمنيات في الأروقة إلى أرقام في الحسابات البنكية للمتضررين.
سقف الدولة يحمي المكاسب
عند ربط خطاب الرئيس بين الواقع الجديد لعام 2026 ومخرجات الحوار 2014، يتجلى ذكاء الخطاب في التمسك بـ (سقف الدولة والمركز القانوني) ليس لتقييد الطموحات، بل كدرع حامٍ ومظلة شرعية للمكاسب والسيطرة التي حققها أبناء الجنوب على الأرض.
الرئيس العليمي أشار بوضوح وبكثير من الحكمة إلى المنعطفات الأمنية والسياسية الخطيرة التي شهدتها المحافظات الجنوبية والشرقية، موضحاً أن التلاحم الداخلي والدعم الصادق من الأشقاء في المملكة العربية السعودية قد جنّب البلاد مسارات الفتنة والتشظي السحيقة.
وجاءت عبارته اللامعة والمؤثرة لتضع النقاط على الحروف:
"لا منتصر في صراعات أهلية، ولا رابح في خلافات شركاء الهدف والمصير".
وهذه الدعوة الإيجابية تمثل تماهياً مطلقاً مع مبدأ "المصالح المشتركة والمواطنة العادلة" التي أسست لها وثيقة الحوار، وتؤكد أن القوى الجنوبية اليوم هي شريك أساسي وحليف مصيري في قيادة الدولة وصياغة مستقبلها، وليست مجرد طرف يتم استرضاؤه بفتات المناصب.
الإنصاف ترياق ضد الانقلاب
إن خطاب الرئيس العليمي قدّم أفضل وأرقى نموذج للربط الإيجابي بين تطلعات الشارع الجنوبي وبين الشرعية الدستورية؛ فالخطاب أعاد الاعتبار لمخرجات الحوار الوطني لعام 2014 من خلال منحها (قوة دفع واقعية وتنازلات شجاعة) تتناسب تماماً مع موازين القوى الجديدة في عام 2026.
لقد أثبت الرئيس العليمي في خطابه أن إنصاف الجنوب، وتطبيق المناصفة الفعلية، والاعتراف بخصوصية القضية وتطلعاتها الحرة، هي الممر الإجباري والوحيد لبناء دولة اتحادية مستقرة، وصون الجبهة الداخلية من التصدع ضد الانقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني والمتحالف مع التنظيمات الإرهابية. المصلحة اليوم أصبحت متبادلة: شرعية الدولة تمنح الجنوب الاعتراف الدولي، والجنوب يمنح شرعية الدولة الصمود والعمق الاستراتيجي.



