حضرموت وأولويات تستحق الالتفات
كتب (الأول) أسامة ماهر باحويرث:
في الآونة الأخيرة، برزت في حضرموت مشاريع ومبادرات تتعلق بما يُعرف بـ"إيواء المعنفات"، وهو مصطلح جديد نسبياً على المجتمع الحضرمي، وأثار كثيراً من التساؤلات والنقاشات بين الناس. ولا يختلف اثنان على أن حماية المرأة من الظلم والعنف وإنصاف المظلوم واجب إنساني وأخلاقي وديني، وأن كرامة الإنسان وصون حقوقه من المبادئ التي لا جدال حولها.
لكن السؤال الذي يطرحه المواطن الحضرمي، والذي تفاجأ بظهور مثل هذه المشاريع والمفاهيم التي لم تكن متداولة في أوساط مجتمع محافظ ومتماسك كحضرموت، هو: هل تمثل مراكز الإيواء الحل الأمثل؟ وإلى متى يستمر هذا الحل؟ وهل تعالج هذه المراكز أصل المشكلة أم تكتفي باحتواء نتائجها؟
ومن حق المجتمع أيضاً أن يتساءل عن طبيعة هذه المشاريع وأهدافها وحدودها وآليات عملها، خصوصاً عندما تكون مرتبطة ببنية الأسرة التي تُعد الركيزة الأساسية لاستقرار المجتمع الحضرمي... فالتخوف الذي يطرحه البعض لا يتعلق بمبدأ المساعدة بحد ذاته، بل بمدى ملاءمة بعض النماذج المستوردة لواقعنا الاجتماعي والديني والقبلي.
فهل الحل يكمن في إنشاء مراكز إيواء كخيار أول، أم أن هناك بدائل مجتمعية أكثر انسجاماً مع بيئتنا المحلية، مثل الإصلاح الأسري، والتحكيم الاجتماعي، والقضاء العادل، والوساطة التي تحفظ الحقوق وتراعي في الوقت ذاته خصوصية الأسرة وسمعتها واستقرارها؟
ولتوضيح الموقف، فإن هذا الطرح لا يمثل اعتراضاً على حقوق المرأة أو رفضاً لمبدأ حمايتها، وإنما يعبر عن رفضٍ لاستيراد حلول جاهزة قد نجحت في مجتمعات أخرى تختلف في ظروفها وقيمها وتكوينها الاجتماعي عن حضرموت. فلكل مجتمع خصوصيته، ولكل بيئة أدواتها في معالجة مشكلاتها.
غير أن المفارقة التي تستوقف كثيراً من أبناء حضرموت تتمثل في أن هذه المشاريع تحظى بالنقاش والاهتمام والتمويل، بينما ما زالت المحافظة تواجه تحديات يومية أكثر إلحاحاً وأوسع أثراً على حياة الناس.
فالشواطئ والمتنزهات والواجهات العامة تشهد بعد كل مناسبة أو تجمع مشاهد مؤسفة لتراكم النفايات والمخلفات. صور تتكرر بصورة تكاد تكون اعتيادية، وتعكس أزمة وعي وسلوك مجتمعي لا تقل خطورة عن أي قضية أخرى. فالنظافة ليست خدمة بل ثقافة، وليست مسؤولية الجهات المختصة وحدها، بل مسؤولية كل فرد في المجتمع.
وهنا يبرز سؤال الأولويات: هل المشكلة الأشد إلحاحاً في حضرموت اليوم هي إنشاء المزيد من المشاريع ذات العناوين الجديدة، أم معالجة المشكلات التي يراها المواطن بعينه كل يوم؛ من تراجع الوعي العام، وانتشار السلوكيات السلبية، وتراكم النفايات، وضعف المبادرات التنموية التي تمس حياة الناس بشكل مباشر؟
إن المفارقة الكبرى أن كثيراً من الأسر الحضرمية قد تتساءل: هل يكمن الحل في نقل المرأة إلى مركز إيواء، أم في معالجة أسباب المشكلة داخل المجتمع نفسه، من خلال قضاء منصف، وإصلاح اجتماعي فعّال، وتوعية أسرية، وحلول تحفظ الحقوق وتمنع الظلم دون أن تخلق إشكالات جديدة أو حساسيات اجتماعية إضافية؟
ويجدر بالمساهمين في إدراج وتمويل برامج المنظمات والمبادرات المختلفة أن يلتفتوا إلى القضايا الأكثر إلحاحاً والأجدر بالعناية، مثل تعزيز الوعي المجتمعي، ومعالجة مشكلة النظافة المتفاقمة، ودعم المشاريع الصغيرة، ومكافحة البطالة والفقر، وتأهيل المدارس، وتحسين البيئة التعليمية، وترسيخ ثقافة المسؤولية المدنية عبر برامج حقيقية في المدارس والمساجد ووسائل الإعلام.
فهذه الملفات تمس كل بيت وكل شارع وكل أسرة، وتنعكس آثارها على المجتمع بأسره، وهي قضايا لا يمكن تأجيلها أو تجاوزها تحت أي ظرف.
إن حضرموت لا تحتاج إلى أن يُعاد تعريف مشكلاتها من خلف المكاتب المكيفة، بل تحتاج إلى أن تُحل المشكلات التي يراها الناس بأعينهم كل يوم. تحتاج إلى شوارع نظيفة، ومدارس أفضل، وفرص عمل تحفظ كرامة الشباب، وبرامج تزرع المسؤولية في النفوس قبل أن تزرع المصطلحات في التقارير.
لسنا ضد حماية المرأة، ولا ضد إنصاف المظلوم، لكننا مع أن تنبع الحلول من واقعنا، وأن تُرتب الأولويات وفق حاجات المجتمع لا وفق ما تفرضه العناوين الرنانة أو المشاريع العابرة. فحين تصبح القمامة مشهداً اعتيادياً، والبطالة هاجساً يومياً، وتراجع الوعي أزمة متنامية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: ماذا نريد أن نضيف إلى حضرموت؟ بل لماذا لم نعالج بعد ما يؤرقها منذ سنوات؟
فالأولوية ليست لما يثير الضجيج والصخب، بل لما يصنع الأثر الحقيقي. والأثر يبدأ من معالجة الجذور قبل الانشغال بالفروع، ومن الالتفات إلى احتياجات المجتمع الفعلية قبل استيراد عناوين لا يزال كثير من الناس يبحثون عن تفسيرها وفهم أبعادها.



