بين الأدب المقارن والنقد الثقافي المقارن..قراءة في الطبعة الثانية من كتاب (دراسات في النقد الثقافي المقارن)
بقلم أحمد صالح
ليست الجامعات في حاجة إلى قاعات جديدة أو مناهج حديثة فحسب، وإنما هي في أمسّ الحاجة إلى الكتاب الجامعي الرصين؛ ذلك الكتاب الذي يولد من رحم الخبرة الطويلة في التدريس والبحث، ويجمع بين أصالة المعرفة ووضوح العرض، ويمنح الطالب مرجعًا موثوقًا يعود إليه داخل قاعة الدرس وخارجها. فالجامعة التي يكتب أساتذتها كتبهم بأقلامهم هي جامعة تنتج المعرفة ولا تكتفي بتلقّيها، وتسهم في بناء ثقافة علمية مستقلة، بدلاً من الارتهان الدائم للمراجع الأجنبية أو الملخصات الدراسية المحدودة.
ومن هذا المنطلق، أجدني مدينًا بالشكر والتقدير للأستاذ الدكتور مسعود سعيد عمشوش على مبادرته العلمية بإصدار الطبعة الثانية من كتابه (دراسات في النقد الثقافي المقارن) وليس هذا الشكر نابعًا من مكانة المؤلف الأكاديمية المعروفة فحسب، وإنما من إدراك أهمية هذه المبادرة في وقت أصبحت فيه المكتبة الجامعية العربية تعاني نقصًا واضحًا في الكتب المؤلفة باللغة العربية في كثير من التخصصات الدقيقة، ومنها الأدب المقارن والنقد الثقافي.
ولعل ما يبعث على التفاؤل أن هذا الكتاب يقدم نموذجًا لما ينبغي أن يكون عليه الأستاذ الجامعي؛ فهو لا يكتفي بإلقاء المحاضرات داخل القاعة الدراسية، وإنما يحول خبرته العلمية المتراكمة إلى كتاب يبقى بين أيدي الطلبة والباحثين سنوات طويلة، ويغدو جزءًا من الذاكرة العلمية للمؤسسة الجامعية. ومن هنا فإننا نتمنى أن تحذو بقية الجامعات العربية، بل وكل أساتذة الجامعات، حذو الدكتور عمشوش، فيبادر كل أستاذ إلى تأليف كتاب في مجال تخصصه، لأن تراكم هذه الجهود الفردية هو الذي يصنع في النهاية مكتبة جامعية عربية حقيقية، ويمنح الجامعة استقلالها العلمي.
ولا تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه كتابًا تدريسيًا فحسب، بل في كونه مشروعًا علميًا متكاملًا يسعى إلى إعادة تقديم الأدب المقارن في ضوء التحولات الكبرى التي شهدتها الدراسات الأدبية والثقافية خلال العقود الأخيرة. فمنذ الصفحات الأولى يضع المؤلف القارئ أمام سؤال جوهري: ما الأدب المقارن اليوم؟ وهل بقي ذلك الحقل الذي انشغل طويلًا برصد علاقات التأثير والتأثر بين الآداب القومية، أم أنه تجاوز حدوده التقليدية ليفتح أبوابه أمام الثقافة بوصفها فضاءً أوسع من الأدب نفسه؟
ينطلق المؤلف من تعريف شامل للأدب المقارن بوصفه فرعًا من فروع الدراسات الأدبية والثقافية يهتم بعلاقات التشابه والتوازي، والتأثر والتأثير، والمثاقفة، بين الآداب والثقافات المختلفة، قبل أن يتابع تطور هذا التخصص منذ المدرسة الفرنسية، مرورًا بالمدرسة الأمريكية، وصولًا إلى الاتجاهات التوفيقية والدراسات الثقافية المعاصرة. وبهذا لا يقدم الكتاب معلومات متفرقة، وإنما يرسم خريطة معرفية دقيقة لمسيرة هذا العلم وتحولاته التاريخية والمنهجية.
وقد كان بإمكان المؤلف أن يقف عند هذا الحد، كما فعل كثير من مؤلفي الكتب الجامعية، فيكتفي بالتأصيل النظري وعرض المدارس والمناهج، غير أنه اختار طريقًا أكثر صعوبة وأكثر فائدة، يتمثل في المزج بين النظرية والتطبيق.
وهنا تبرز إحدى أهم مزايا هذا الكتاب.
فالكتاب لا يضع القارئ أمام مفاهيم مجردة، بل يريه كيف تتحول هذه المفاهيم إلى أدوات عملية في قراءة النصوص وتحليلها. ولذلك نجد إلى جانب الفصول النظرية عددًا من الدراسات التطبيقية التي تجسد مختلف مناهج المقارنة، وتجعل الطالب يرى المنهج وهو يعمل داخل النصوص، لا وهو معروض في صفحات التعريفات فقط.
ولعل هذه السمة هي التي تمنح الكتاب قيمته التعليمية الحقيقية؛ إذ يتحول من كتاب في "تعريف الأدب المقارن" إلى كتاب في "ممارسة الأدب المقارن". وهذه هي الطريقة التي تُبنى بها المدارس العلمية، لأن الطالب لا يتعلم المنهج من خلال حفظ تعريفاته، وإنما من خلال رؤية تطبيقاته العملية.
ومن يقرأ الكتاب يلاحظ أن الدكتور عمشوش لا يتعامل مع الأدب المقارن باعتباره علمًا جامدًا استقرت حدوده منذ القرن التاسع عشر، وإنما بوصفه علمًا حيًا يخضع للتحول المستمر. ولهذا نجده يتتبع التطور الذي عرفه هذا التخصص منذ انشغاله بالعلاقات التاريخية بين الآداب إلى انفتاحه على الدراسات الثقافية، ثم يوضح كيف أصبح النقد الثقافي المقارن امتدادًا طبيعيًا للأدب المقارن، لا قطيعة معه.
وهذه الرؤية الحديثة هي التي تفسر اتساع ميادين البحث في هذا الكتاب. فلم تعد المقارنة مقتصرة على ظواهر التأثير والتأثر أو انتقال الأجناس الأدبية، وإنما امتدت لتشمل دراسات ما بعد الاستعمار، والهوية، والآخر، والصورة، والمرأة، والترجمة، والتلقي، والتمثيلات الثقافية، وغيرها من الحقول التي أصبحت اليوم في قلب الدراسات الإنسانية المعاصرة.
ومن أبرز ما يلفت الانتباه في هذا العمل أن المؤلف لا يكتفي باستعراض الاتجاهات الغربية، بل يسعى إلى إعادة توطينها في البيئة العربية، وإبراز إسهام الباحثين العرب في تطويرها، مع الحرص على ألا يكون الباحث العربي مجرد ناقل للنظريات، وإنما شريكًا في إنتاجها وتطويرها.
وهذا يتجلى أيضًا في اختياراته للنماذج التطبيقية التي تعيد الاعتبار للنصوص العربية واليمنية بوصفها مادة صالحة للدراسة المقارنة، وتؤكد أن الثقافة العربية ليست هامشًا في تاريخ الأدب العالمي، وإنما جزء أصيل من هذا التاريخ.
ومن الجوانب اللافتة كذلك أن المؤلف يوسع مفهوم الأدب المقارن ليشمل مجالات كانت تعد حتى وقت قريب خارج حدوده التقليدية، مثل دراسات المرأة، ودراسات الترجمة، ودراسات ما بعد الاستعمار، ودراسة صورة الآخر، وهي مجالات أصبحت اليوم من أهم ميادين النقد الثقافي المقارن. وبذلك يواكب الكتاب أحدث التحولات التي شهدها هذا الحقل خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ويضع الطالب العربي على تماس مباشر مع القضايا التي تشغل البحث المقارن في الجامعات العالمية.
ولعل أكثر ما يميز هذه الطبعة الثانية أنها لم تكتف بإعادة طباعة الطبعة الأولى، وإنما جاءت بإضافة علمية ذات قيمة خاصة، تمثلت في الدراسة الجديدة التي خصصها الدكتور عمشوش للحياة الثقافية باللغة الإنجليزية في عدن قبل الاستقلال، ولدور الترجمة في إثراء النشاط الثقافي في المدينة. وهذه الدراسة لا تضيف فصلًا جديدًا إلى الكتاب فحسب، بل تفتح نافذة واسعة على مرحلة من التاريخ الثقافي لعدن، حين كانت المدينة مركزًا للتفاعل الحضاري، ومنارة ثقافية استثنائية في الجزيرة العربية والوطن العربي، ومكانًا التقت فيه اللغات والثقافات والآداب في فضاء واحد.
وتكتسب هذه الدراسة أهمية إضافية لأنها تربط بين النظرية والتاريخ المحلي، وتكشف أن الترجمة لم تكن مجرد نشاط لغوي، بل كانت قوة فاعلة في تشكيل الحياة الثقافية في عدن، وإحدى القنوات التي عبرت من خلالها الأفكار والآداب العالمية إلى البيئة العربية.
ومن هنا فإن القارئ لا يخرج من هذا الكتاب وهو أكثر معرفة بالأدب المقارن فحسب، وإنما يخرج أيضًا وهو أكثر وعيًا بتاريخ الثقافة العربية واليمنية وصلاتها بالعالم.
لقد استطاع الدكتور مسعود عمشوش، عبر سنوات طويلة من البحث والتدريس، أن يقدم في هذا الكتاب خلاصة تجربة علمية ناضجة، تجمع بين التأصيل النظري والدقة المنهجية والوعي النقدي والانفتاح على أحدث الاتجاهات الفكرية. وهي تجربة تؤكد أن الباحث الحقيقي لا يكرر ما كتبه الآخرون، وإنما يعيد النظر فيه، ويطوره، ويضيف إليه، ويكيفه مع حاجات بيئته العلمية والثقافية.
ولهذا فإن هذه الطبعة الثانية ليست مجرد إعادة نشر لكتاب سابق، وإنما هي خطوة جديدة في مشروع علمي يسعى إلى تحديث الدراسات المقارنة في جامعاتنا العربية، وإلى بناء جسر متين بين الأدب المقارن في صورته الكلاسيكية، والنقد الثقافي المقارن في تجلياته المعاصرة.
وإذا كان لكل كتاب قارئه، فإن هذا الكتاب يبدو موجهًا إلى أكثر من قارئ في آن واحد؛ فهو كتاب للطالب الذي يبحث عن مدخل واضح ومنهجي إلى الأدب المقارن، وكتاب للباحث الذي يريد الوقوف على أحدث تطورات هذا الحقل، وكتاب للأستاذ الجامعي الذي يبحث عن نماذج تطبيقية يمكن الإفادة منها في التدريس والبحث.
وأحسب أن القيمة الحقيقية لهذا العمل تكمن في أنه لا يكتفي بتقديم المعرفة، بل يحفز على إنتاجها، ولا يغلق باب الأسئلة، بل يفتحه على مصراعيه أمام الباحثين الشباب، وهو ما يجعل هذه الطبعة الثانية إضافة حقيقية للمكتبة العربية، وجديرة بأن تجد مكانها بين أهم المراجع الحديثة في الأدب المقارن والنقد الثقافي.
وفي الختام، فإننا لا نملك إلا أن نهنئ الدكتور مسعود سعيد عمشوش على هذا الإنجاز العلمي، وأن نعبر عن تقديرنا لحرصه الدائم على خدمة المعرفة والجامعة والطالب، آملين أن يكون هذا الكتاب حافزًا لأساتذة الجامعات العربية جميعًا لكي يواصلوا أداء رسالتهم العلمية، ليس في قاعات الدرس وحدها، وإنما أيضًا عبر التأليف الرصين الذي يبقى أثره ممتدًا بعد انقضاء المحاضرات، ويظل شاهدًا على أن الجامعة الحقيقية هي التي تنتج المعرفة وتورثها للأجيال.



