اليمن في اليوم العالمي للعمل الإنساني .. نبض البقاء في مواجهة الفناء
في التاسع عشر من أغسطس، يقف العالم وقفة إجلال أمام قيم العطاء والتضحية، متذكراً أولئك الذين جعلوا من أجسادهم جسوراً ليعبر عليها المتعبون نحو ضفاف الأمان . وفي اليمن، لا يبدو هذا اليوم مجرد مناسبة عابرة لتوزيع البيانات الإنسانية أو إطلاق الشعارات الرنانة، بل هو تجسيد حي لملحمة صمود أسطورية يكتب فصولها عمال الإغاثة والكوادر الطبية بأحرف من نور وسط ظلام دامس.
وفي قلب هذا المخاض الإنساني الكبير، أتذكر مسيرتي وأيامي ممتزجة بتفاصيل هذه الملحمة؛ فمنذ أكثر من خمسة عشر عاماً وأنا أتنفس هموم الميدان وأشارك في صياغة الأمل وسط الركام مع زملائي الذين عملنا معاً. لم تكن قيادتي للبرامج والمشاريع الإغاثية وعملي في منظمات دولية رائدة مثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، والمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، وبعض المنظمات الدولية الأخرى، وصولاً إلى قيادة مؤسسة ميار للتنمية كمدير تنفيذي (MAYAR)، مجرد مسؤولية إدارية؛ بل كانت عهداً قطعته على نفسي بأن أكون سنداً للمستضعفين وجسراً تَعبر عليه المساعدات المنقذة للحياة . من إدارة الموارد وتخطيط المنح، إلى التفاوض مع السلطات وتدريب الكوادر الميدانية، ظل دافعي الأول والوحيد هو الإيمان المطلق بأن خدمة الإنسان وحمايته هي الغاية الأسمى التي تستحق كل تضحية، وأن السواعد التي تبني في زمن الهدم هي التي تصنع الفارق الحقيقي وتُبقي جذوة الأمل متقدة.
وفي ثنايا هذا المشهد الممتد، تبرز "عدن" كأيقونة فريدة للعطاء؛ فالمدينة التي تلفحها حرارة الصيف وتحاصرها التحديات الخدمية والاقتصادية الخانقة، لا تزال تنبض بقلب إنساني كبير. هنا، على ضفاف بحرها العريق وفي أزقتها المثقلة بالهموم، تتحول المبادرات الشبابية والمنظمات المحلية إلى خلايا نحل لا تهدأ. يتكاتف أبناء عدن وبناتها بروح التضامن الفطري والتعايش الإنساني، فيجوبون المخيمات والمستشفيات، ويمدون يد العون للنازحين والمنكوبين، متجاوزين الصعاب ومسطرين بجهودهم الذاتية ملحمة تضامنية تثبت للعالم أن ثغر اليمن الباسم يرفض أن يغلق في وجه الأمل، وأن بحر جوادها لا ينضب مهما اشتدت الخطوب.
إن العمل الإنساني في أرض اليمن ليس مجرد وظيفة أو واجب مهني، بل هو رسالة مقدسة واختيار شجاع للوقوف في خط الدفاع الأول عن الحياة. في بلد أثقلت كاهله السنون، وغيبت الحرب ملامح الاستقرار فيه، يندفع صناع الأمل نحو الميدان بكل تجرد، يواجهون شح الإمكانيات، ويجتازون الحصار، ويتحملون تضييق الخناق واحتجاز زملائهم، مؤمنين بأن إنقاذ نفس واحدة يعادل إحياء البشرية جمعاء.
ومع حلول هذا اليوم لعام 2026، تتضاعف الآلام بقدر ما تتجلى التضحيات. فالأرقام الصادمة التي تتحدث عن جفاف منابع الدعم والتمويل الدولي لخطط الاستجابة، تعني في قاموس الواقع أن غرف المستشفيات تضيق بمرضاها، وأن طوابير الجائعين تتسع، وأن نصف الأطفال دون الخامسة يصارعون سوء التغذية. ورغم هذا الخذلان العالمي، لا تنحني الجباه؛ بل تستمر الأيادي المحلية في العطاء المترع بالحب، مستمدة قوتها من إرادة شعب يرفض الانكسار.
إن التكريم الحقيقي لحراس الإنسانية في اليمن لا يكون بالتعاطف الشفهي، بل بالوقوف الصادق معهم لحمايتهم، ورفع الحظر والقيود عن تحركاتهم، والإفراج الفوري عن كل من احتُجز قسراً وهو يؤدي أبلج مهامه. يحتاج هؤلاء الأبطال إلى فك الحصار الاقتصادي وصرف الحقوق، لكي تثمر جهودهم استقراراً يمهد الطريق لسلام حقيقي ومستدام.
ستبقى التضحيات الإنسانية في اليمن منارة تلهم البشرية معاني الإيثار، وستظل تلك السواعد الممتدة بالخير الشاهد الأكبر على أن روح الإنسان، مهما بلغت قسوة الظروف، تظل قادرة على هزيمة العدم وزرع الحياة في أشد الأرض قحطاً. تحية إجلال لكل عين تسهر ليداوَى جرح، ولكل كف تمتد ليطعم جائع في يمن الصمود والتاريخ.



