المخفي (قحطان) تحت طاولة الاتفاق!.. مدير قناة (بلقيس) يكشف كواليس جديدة صادمة حول صفقة الأسرى
اعتبر الصحفي أحمد الزرقة أن استثناء القيادي محمد قحطان من صفقة تبادل الأسرى الأخيرة يجسد حالة "خذلان الأصدقاء وغدر الأعداء"، مستعرضاً إرثه السياسي في مواجهة الاستبداد.
(الأول) غرفة الأخبار:
في طرح سياسي يحمل الكثير من المرارة الشديدة، تحدث الصحفي والكاتب اليمني أحمد الزرقة، مدير قناة (بلقيس) عن السياسي المخفي قسراً، الأستاذ محمد قحطان، معتبراً أن استمرار غيابه واستثناءه من صفقة تبادل الأسرى الضخمة التي أُبرمت مؤخراً بين الحكومة الشرعية وجماعة الحوثي، يعكس حالة قاسية من "خذلان الأصدقاء وغدر الأعداء".
واستذكر الزرقة، في مقال مطول نشره عبر حسابه على منصة "إكس" ورصده موقع (الأول) الإخباري، بدايات معرفته بقحطان في شارع 16 بصنعاء، واصفاً ديوانه البسيط بأنه كان ملاذاً للطلاب والصحفيين والسياسيين، حيث كان "الأستاذ" يصغي للجميع بهدوء وتواضع شديدين، بعيداً عن هيبة النبرة الحادة والبارود السياسي الذي كان يقدح به في تصريحاته الإعلامية والندوات العامة.
هندسة المشترك وحقد الخصوم
وسلط التقرير الضوء على الدور المحوري الذي لعبه قحطان برفقة الشهيد جار الله عمر في صياغة فكرة "اللقاء المشترك"، والتي اعتبرت مغامرة تاريخية لجمع خصوم الأمس حول طاولة سلمية واحدة لمواجهة تفرد نظام علي عبدالله صالح بالبلد. وأشار الزرقة إلى أن قحطان قاد داخل حزب "الإصلاح" تياراً من "الحالمين" لكسر التابوهات الفكرية والسياسية، مؤكداً أن معركة اليمن ليست بين التيارات بل بين المجتمع السياسي كله وسلطة غاشمة تلتهم حلفاءها قبل خصومها.
لماذا يدفع الثمن وحيداً؟
ورأى الزرقة أن الإخفاء القسري المستمر لقحطان منذ اعتقاله في صنعاء عام 2015، يقف خلفه حقد سياسي متراكم من كافة الأطراف؛ فنظام صالح لم ينسَ له تصريحاته النارية قبل فبراير 2011 التي حملته خراب البلد وطالبته بالرحيل، وجماعة الحوثي لم تغفر له أبداً وقوفه ضد تمددها المسلح ووصفه لإجرامها بـ "الانتفاشة والفقاعة" التي ستزول فور استيقاظ الدولة.
واختتم الكاتب بالإشارة إلى مفارقة حزينة تجمع قحطان بالصحفي محمد الكهالي (السكرتير الصحفي السابق لصالح الصماد) المغيب هو الآخر، مؤكداً أن عتمة الإخفاء القسري في اليمن باتت تبتلع كل من يصبح عبئاً على سردية الجريمة والمجرم، وسط استنكار وجدل شعبي واسع حيال صمت الوفد الحكومي والمجتمع الدولي عن حسم مصير هذا الرجل المفصلي في تاريخ السياسة اليمنية.
نص المقال:
محمد قحطان: خارج الصفقة، خذلان الأصدقاء وغدر الأعداء
عرفت محمد قحطان وأنا في بدايات عملي الصحفي كان يومها يشتغل، مع جار الله عمر وآخرين، على فكرة بدت في السياسة اليمنية أقرب إلى المغامرة هدفها أن ينتقل الخصوم التاريخيون إلى مربع واحد، وأن تُبنى جبهة معارضة سلمية في وجه نظام علي عبدالله صالح.
كان صديقي وزميلي في الدفعة الخامسة، محمد الكهالي، ابن أخت جار الله عمر، وفتحت لي تلك المعرفة نافذة قريبة لا تتاح للكثيرين لرؤية الجانب الشخصي والإنساني لجار الله ومن خلاله ذهبنا أكثر من مرة إلى مقيل جار الله في شارع الحي السياسي. كان حوش المنزل مفتوحًا، والديوان الملحق به يستقبل الضيوف والمسافرين بلا استئذان مفرط. هناك رأيت شيئًا من السياسة اليمنية كما كان يمكن أن تكون على هيئة خصومات قديمة تجلس إلى طاولة واحدة، ورجالًا يحاولون إقناع أنفسهم، قبل غيرهم، بأن الماضي يمكن أن يُطوى.
وكان قحطان، مثل جار الله، يفتح ديوانه للناس. كان ديوانه، على بساطته، في شقة سكنية عادية بشارع 16، جوار مسجد أحمد ناصر، لكنه كان ملاذًا للطلاب والصحافيين والسياسيين وأصحاب البلاد. ديوان قحطان المنفصل نسبيا عن باقي المنزل كان وجهة مألوفة يدخل الناس إليه كما يدخلون بيتًا يعرفهم قبل أن يعرفوه؛ يجلس الأستاذ وهكذا ينادونه معهم، يسمعهم بهدوء، يناقشهم بلا تعالٍ، ويُشعر كل واحد منهم أن ما يقوله مهم، حتى حين يكون الكلام عاديًا أو مرتبكًا أو صادرًا عن شاب يخطو خطواته الأولى في السياسة أو الصحافة.
في ذلك الديوان الصغير كان قحطان مختلفًا عن صورته التي صنعتها له وسائل الإعلام هناك كان هادئًا، صبورًا، يمنح الناس حقهم في الكلام، ويصغي إلى التفاصيل التي لا يصغي إليها عادةً رجال السياسة. وكان يحتد أحيانًا، لا غضبًا من شخص، بل دفاعًا عن فكرة قالها ثم شعر أنها فُهمت على غير وجهها. كان يضيق بسوء الفهم أكثر مما يضيق بالخلاف؛ كأن المعنى عنده إذا اختلّ في الكلام اختلّ بعده الموقف كله.
محمد الكهالي نفسه، مثل قحطان اليوم، مخفي قسريًا. المفارقة أنه عمل سكرتيرًا صحفيًا لصالح الصماد حتى مقتله. عرفت الاثنين من قرب: واحدًا بنى السياسة بإصرار، وآخر خدم سلطة ستختفي به في نهاية الطريق. كلاهما اليوم في عتمة واحدة. فالإخفاء لا يختار خصومه وحدهم؛ إنه يبتلع كل من يصبح عبئًا على سردية الجريمة والمجرم .
وكان قحطان، في حضوره العام، رجلًا آخر من حيث النبرة لا من حيث الجوهر. فالرجل الذي يصغي طويلًا في ديوانه، كان يقدح كالبارود حين يتحدث في ندوة سياسية او اجتماع حزبي، وكعادته في تصريحاته الصحفية المثيرة للجدل . جملته السياسية كانت حادة، مباشرة، أقرب إلى بيان جبهة منها إلى تعليق سياسي عابر. وربما أخذ ذلك من خلفيته العسكرية التي كانت، على نحو مفارق، تتقاطع مع خلفية جار الله عمر العسكرية ايضا رغم أنهما وقفا طويلًا على ضفتين متناقضتين.
في حروب الجبهة والمناطق الوسطى في الثمانينيات، كان جار الله في جهة منظمة المقاومين الثوريين، قبل أن تصبح جزءًا من الحزب الاشتراكي اليمني، في مواجهة ما كانت تسميه المنظمة «الحكم الرجعي في صنعاء». وكان قحطان على الضفة الأخرى، يقود مجاميع من المقاتلين الإسلاميين إلى جانب قوات الجمهورية العربية اليمنية في مواجهة ما كان يُسمى يومها «المد الشيوعي». ثم التقيا مرة أخرى في حرب صيف 1994، لا كحليفين، بل كامتداد لذلك الفرز القديم.
غير أن السنوات اللاحقة جعلت الرجلين يكتشفان أن الجبهة التي وقفا عليها لم تكن بالضرورة جبهة المستقبل. فالرجل الذي استخدم الاشتراكيين مرة، ثم الإسلاميين مرة، ثم أزاح الجميع حين انتهت وظائفهم، كان مركز الخطر الحقيقي. وفي مذكرات الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر ما يكفي لفهم جانب من تلك المعادلة: صالح أراد من التيار الإسلامي وجناح من البنية القبلية الخروج من المؤتمر وتشكيل حزب يؤدي دورًا رديفًا للمؤتمر في مواجهة الحزب الاشتراكي.
هكذا وُلد الإصلاح من ضلع السلطة الأعوج. لم يكن خروجه إلى المعارضة قرارًا سهلًا ولا سريعًا. فالتيار الإسلامي الذي سيشكل لاحقًا قوام الإصلاح دعم صالح طويلًا، وشاركه الحكم بعد حرب 1994، وتوافق معه على تعديل الدستور. وفي انتخابات 1997 خسر الإصلاح عددًا من مقاعده لصالح المؤتمر، رغم مقاطعة الاشتراكي وأحزاب أخرى. ثم جاءت انتخابات 1999، فرفع الشيخ عبدالله شعار «جنّي تعرفه ولا إنسي ما تعرفه»، معلنًا أن صالح هو مرشحه للرئاسة قبل أن يعلن المؤتمر ذلك.
استغرق فطام الإصلاح عن صالح أكثر من عامين بعد تلك الانتخابات. وحين تم الأمر، تعامل صالح معه كخيانة. كان في أوج قوته، يشعر أن السلطة صارت استحقاقًا كاملًا لا ينازعه عليه أحد. لكنه لم يكن يريد للإصلاح أن يعبر إلى المعارضة، ولا أن يصافح الحزب الاشتراكي، ولا أن يفتح معه مصالحة واسعة.
في تلك اللحظة كان دور محمد قحطان حاسمًا ، وتعرض بموجبه لكثير من اللوم داخل حزبه، لكنه كان يقود داخل الإصلاح تيارًا واسعًا من «الحالمين»، وتبعه شباب كثيرون كانوا يرون أن معركة اليمن لم تعد بين الإصلاح والاشتراكي وليس بين الإسلام والشيوعية كما تم اختزالها في تلك الصورة طيلة خمسة عقود، بل بين المجتمع السياسي كله وسلطة تلتهم حلفاءها قبل خصومها. ولهذا خاض داخل حزبه معارك صدامية مع الأجنحة الأكثر تشددًا، تلك التي رأت في التقارب مع الاشتراكي كارثة سياسية وفكرية، وفي المصالحة معه نسفًا لخطابها القديم وعلاقتها الطويلة بصالح.
كانت فكرة اللقاء المشترك من أكثر الأفكار إثارة للدهشة في السياسة اليمنية الحديثة. لم تكن مجرد تحالف انتخابي، بل محاولة لإعادة تركيب الذاكرة السياسية نفسها. أعداء الأمس جلسوا حول طاولة واحدة، ووجدوا أنفسهم أمام سؤال أكبر من ثاراتهم: كيف يمكن مواجهة نظام صالح من خارج أدواته؟
أدرك صالح خطر الفكرة مبكرًا. حاول إعاقة ميلادها، فأفشلته صلابة جار الله عمر وذكاؤه، وتماسك قيادات الحزب الاشتراكي، وفي مقدمتهم علي صالح عباد، وثقة أحزاب المعارضة به. وحين تعذّر تفكيك المصالحة بالسياسة، جاء الاغتيال ليخدم الغرض نفسه: ضرب التحالف في قلبه، وإعادة الإسلاميين والاشتراكيين إلى خنادق الدم القديمة.
قُتل جار الله عمر في المؤتمر العام الرابع للإصلاح. كان الهدف واضحًا: تفجير المصالحة وهي لا تزال في بداياتها. لكن ما حدث كان عكس ما أُريد. لم يتفكك التحالف، بل ازداد وضوحًا. تبلور اللقاء المشترك كإطار سياسي معارض، وخاض انتخابات 2003 النيابية، ثم دخل انتخابات 2006 الرئاسية بمرشح معارض واجه صالح في لحظة لم يكن يتوقع فيها أن يخرج من تحت عباءته خصم موحد.
كان قحطان أحد الأصوات الأعلى داخل الإصلاح، يخشاه صالح لأنه يعرف قدرته على تحريك الحزب نحو المعارضة، وتخشاه أجنحة داخل حزبه لأنه يكسر التابوهات التي عاشت عليها. جاء من ذاكرة السلاح، لكنه ساهم في صناعة واحد من أهم تحالفات العمل السياسي السلمي في اليمن.
وبين 2011 و2014، ظل حاضرًا في كل حوار تقريبًا: في صنعاء، وفي صعدة، وفي موفنبيك، وفي ضحيان. كان يشتغل بالسياسة في بيئة يحصي فيها الخصوم أنفاسه. صالح لم ينسَ تصريحاته التي سبقت فبراير 2011، حين حمّله مسؤولية خراب البلد، ولا تصريحاته اللاحقة التي دعته إلى الرحيل سلمًا قبل أن يرحل بطريقة أخرى. أما الحوثيون، فلم ينسوا موقفه من تمددهم العسكري في صعدة وعمران والجوف وحجة، ولا وصفه ذلك التمدد بأنه «انتفاشة وفقاعة» ستزول متى استيقظت الدولة وقرر الناس مواجهتهم.
وفي صعدة نفسها، التُقطت لقحطان صورة وهو يؤم الصلاة. خلفه، في صف واحد، مصلون من قيادات حوثية واشتراكية ومؤتمرية. كانت تلك، على نحو ما، صلاة اليمنيين الأخيرة في صعدة قبل أن تختطفها المليشيا نهائيًا. وحين وصلت شاصات الحوثي إلى صنعاء محمولة بحسابات صالح القديمة، وتواطؤات النخب، وعجز المسار الأممي عن إدراك معنى الانقلاب الجاري، بدأت ملاحقة كثير ممن حضروا تلك اللحظة أو مثّلوها، من التشريد والمصادرة إلى الاختطاف، في محاولة لكسر فكرة السياسة ذاتها.
في 4 أبريل 2015، اختُطف محمد قحطان. عند الواحدة والنصف من ظهر ذلك اليوم، اقتيد من منزله في حي النهضة بصنعاء. ووفق منظمة العفو الدولية، نفذ العملية ما لا يقل عن عشرة مسلحين بالملابس المدنية، في ثلاث مركبات، من عناصر جهاز الأمن السياسي الذي كان يرأسه حمود الصوفي، في وقت كان جلال الرويشان يتولى وزارة الداخلية وهما رجلان من صنيعة صالح وخاصته ،وفي روايات أخرى، حضرت مركبات ومدرعات من بنية الأجهزة الأمنية التي ظلت تتحرك في المسافة المشتركة بين صالح والحوثيين.
في ضوء أدوات العملية وتوقيتها، يصعب قراءة الاختطاف إلا بوصفه قرارًا التقت عنده خصومة صالح السياسية مع خصومة الحوثيين السياسية والعقدية. بالنسبة إلى صالح، كان قحطان واحدًا من الوجوه التي لم تغادر ذاكرة 2011؛ تلك اللحظة التي كسرت صورته السياسية وأخرجته من الحكم. أما الحوثيون، فكان قحطان بالنسبة إليهم خصمًا إصلاحيًا صداميًا، صاحب رؤية واضحة تجاه مشروع الجماعة، ولسانًا لا يهادن تمددها ولا يتركه بلا تسمية.
عند قحطان التقت الخصومتان: صالح لم ينسَ 2011 وأصواتها المرتفعة بالمعارضة والتحريض ضد نظامه والتي أسهمت في طي صفحته داخل السلطة وركلتها نحو هامشها، والحوثيون لم يغفروا لرجل سياسي أنه فهم مشروعهم مبكرًا وسمّاه بلا مواربة. وبأدوات من بقايا الدولة الأمنية، وبحساب حوثي واضح، أُخرج الرجل من المشهد، لتبدأ بعدها رحلة معاناة للرجل الستيني وأسرته التي لم تكن ترى الحياة إلا من نافذة روحه.
بعد أيام من اختطاف قحطان ، توسط أمين العاصمة آنذاك عبدالقادر هلال، القيادي في المؤتمر الشعبي العام، لترتيب زيارة وحيدة لنجل قحطان، عبدالرحمن، إلى موقع الاحتجاز. كان الموقع فيلا في حي حدة بصنعاء. وبحسب بيان الأسرة الصادر في 11 أبريل 2022، كان مهدي المشاط، الذي صار لاحقًا رئيسًا للمجلس السياسي الأعلى، حاضرًا في الفيلا. رأى الابن أباه. قال له قحطان إنه ختم القرآن في أربعة أيام وكانت تلك آخر جملة وصلت إلى العائلة منه.
ثم أُغلق الباب على قحطان للابد، لم تسمع الأسرة صوته، ولم ترَ صورته، ولم تتسلم رسالة بخطه، ولم يزره الصليب الأحمر. وبعد ذلك قُتل عبدالقادر هلال في غارة التحالف على القاعة الكبرى للعزاء في صنعاء يوم 8 أكتوبر 2016، فغاب الرجل الذي رتّب الزيارة الوحيدة، ومعه غابت أسئلة كان ينبغي أن تُطرح عليه: ماذا رأى؟ من كان حاضرًا؟ هل عاد إلى الوساطة؟ وهل ترك لأحد ما يكفي لمعرفة الطريق إلى قحطان؟
أكثر من عقد مضى، وقحطان يحاصر سجانيه بالأسئلة، لا يحاصرهم بحضوره، بل بخوفهم وأحقادهم ،صار غيابه أداة سلطة؛ تفاوضًا حين تحتاج الجماعة إلى صفقة، وعقابًا حين تريد إطالة الألم.
في 14 مايو 2026، وقّعت الحكومة اليمنية وجماعة الحوثيين في عمّان اتفاقًا لإطلاق 1728 محتجزًا، بوصفه المرحلة الأولى من تنفيذ اتفاق مسقط 2 المبرم في 23 ديسمبر 2025، والذي نص على تبادل نحو 2900 محتجز. غير أن الصفقة خلت من محمد قحطان.
وبدلًا من إخراجه، نص الاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة من الطرفين، بمشاركة عائلته، تتوجه إلى صنعاء للتحقق من مصيره بحضور اللجنة الدولية للصليب الأحمر، قبل بدء عملية الإفراج. بدا البند، في ظاهره، استجابة لمطلب الأسرة الصادر في 11 مايو بتشكيل لجنة دولية بمشاركتها. غير أنه في جوهره نقل قحطان من اسم كان يُفترض أن يُفرج عنه إلى ملف تُرسل لجنة إلى صنعاء لتسأل خاطفيه عن مصيره.
ولم يحدد الاتفاق موعدًا ملزمًا للزيارة، كما لم يضع آلية واضحة تُجبر سلطة صنعاء على فتح موقع الاحتجاز، أو تقديم سجل رسمي، أو تمكين الصليب الأحمر من زيارة رجل مُنع من الزيارة منذ 2015. وهكذا تحولت القضية من حق عائلة في معرفة مصير أبيها، ومن حق مختطف في الحرية، إلى لجنة تذهب إلى خاطفيه لتسألهم عما فعلوا به.
قبل ذلك، وفي 6 مايو 2026، أبلغ وفد صنعاء الفريق الحكومي، وفق ما ورد في مسار المفاوضات، أن قحطان قُتل في غارة على موقع احتجازه في أبريل 2015، عشية انتهاء عملية «عاصفة الحزم». رفض حزب الإصلاح التوقيع، وتدخلت الرياض والأمم المتحدة. وفي 11 مايو، رفضت عائلة قحطان الرواية في بيان ذكّرت فيه بأن مفاوضات 2023 أجّلت إخراجه إلى جولة لاحقة، وأن عبدالقادر المرتضى عرض في 2024 مقايضته «حيًا أو ميتًا».
ومنذ البداية، لم تكن روايات الحوثيين عن قحطان تسير في خط واحد. في 2015، نشر القيادي السابق علي البخيتي أن قحطان قُتل في غارة، نقلًا عن «مصدر خاص» داخل الجماعة. لم تتبن القيادة الحوثية الرواية، ولم تنفها بوضوح. تركتها معلقة، كما تُترك العبارة التي قد تصلح للاستخدام حين تتغير الحاجة.
ثم في 2017، ظهر صالح الصماد، رئيس المجلس السياسي الأعلى آنذاك، في مقابلة تلفزيونية، ونفى ضمنيًا وجود ما يهدد حياة قحطان وعدد من المختطفين. ولو كان قحطان قد قُتل في غارة عام 2015، فما معنى هذا النفي بعد عامين؟ وأي حياة كان يجري الحديث عنها؟
وفي 10 أبريل 2022، قال سلطان السامعي على قناة المهرية إن قحطان «ليس لدى الحوثيين»، بل لدى جماعة الرئيس السابق صالح. جاءت الرواية بعد خمس سنوات من مقتل صالح نفسه في 4 ديسمبر 2017، وبعد أن تفرقت قيادات معسكره بين القتل والسجن والمنفى والتحالفات الجديدة. ولو كانت الرواية صحيحة، لظهرت بعد انهيار تحالف صالح والحوثيين مباشرة، لا بعد سنوات من الصمت.
ثم بين 2023 و2024، عاد عبدالقادر المرتضى ليحول قحطان إلى ورقة مقايضة: إن كان حيًا، فمقابل 50 أسيرًا حوثيًا؛ وإن كان ميتًا، فجثته مقابل 50 جثة. لم تكن تلك معادلة تبادل بقدر ما كانت تفترض، ضمنًا، أن الجماعة تملك معلومة لا تعلنها، أو تملك طريقًا إلى هذه المعلومة وتمنع الوصول إليه.
وفي مايو 2026، عادت الرواية إلى نقطة البداية: قُتل في غارة عام 2015. كأن أحد عشر عامًا من الإنكار والمقايضة والتأجيل لم تحدث.
بين هذه الروايات، تقف وثيقة لا يمكن القفز عليها. ففي 5 فبراير 2019، أصدرت النيابة الجزائية المتخصصة في صنعاء، الخاضعة للحوثيين، مذكرة بالإفراج عن قحطان في القضية رقم 86 لسنة 2015، استنادًا إلى قرار مفاده أنه «لا وجه لإقامة الدعوى». وفي 6 فبراير، تسلّم مدير سجن الأمن السياسي أمر الإفراج. ثم لم يُنفذ القرار.
لا تصدر نيابة أمر إفراج عن شخص لا تعرف مكانه. ولا تخاطب جهازًا أمنيًا بشأن رجل تقول رواية لاحقة إنه قُتل قبل أربع سنوات. الوثيقة تقطع الطريق على رواية إنكار الحيازة، وتطعن في رواية مقتله المبكر، وتعيد السؤال إلى مكانه الصحيح: من عطّل أمر الإفراج؟ ومن كان أعلى من النيابة والسجن والجهاز الأمني؟
كان اسم قحطان الوحيد المنصوص عليه في الوثيقة الرئيسية لاتفاق مسقط 2، بنسبة تبادل واحد مقابل 50 أسيرًا حوثيًا. وفي صفقات سابقة، خرج محمود الصبيحي، وناصر منصور هادي، وفيصل رجب؛ ثلاثة من بين أربعة وردت أسماؤهم في قرار مجلس الأمن 2216. بقي قحطان هو الرابع. لا لأنه منسي، بل لأنه حاضر أكثر مما ينبغي في ذاكرة سجانيه.
فمحمد قحطان ليس مختطفًا عاديًا في سردية اليمن الحديثة. إنه رجل يقف عند تقاطع كل الخطوط: الإسلاميون والاشتراكيون، صالح والإصلاح، اللقاء المشترك، ثورة فبراير، الحوار الوطني، صعدة، اجتياح صنعاء، وانقلاب الحوثيين على السياسة نفسها. لذلك يبدو إخفاؤه مقصودًا بأكثر من معنى: عقاب لشخصه، ورسالة لحزبه، وطمس لشاهد على مرحلة كانت تقول إن اليمنيين، رغم دمائهم القديمة، قادرون على بناء جبهة سياسية سلمية.
ومع ذلك، لا تقف الجريمة عند الحوثيين وحدهم، وإن كانوا اليوم في مركز كتمان الحقيقة. فجناح صالح السابق يملك على الأرجح معرفة جزئية؛ فالأجهزة التي تحركت يوم الاختطاف لم تكن بلا ذاكرة، ولا بلا قيادات، ولا بلا سجلات. كثيرون من تلك المرحلة صاروا اليوم في عدن، أو أبوظبي، أو القاهرة، أو الرياض، أو في مواقع سياسية وعسكرية جديدة. تحدثوا عن صالح، وعن الحوثيين، وعن الانفجار بين الحليفين، لكنهم لم يقولوا ما يكفي عن معاناة المئات من المغيبين في السجون والمعتقلات في صنعاء بين 2015 و2017.
والشرعية، بدورها، فاوضت طويلًا، اشترطت، ثم قبلت التأجيل، ثم وقّعت صفقة خلت من قحطان، واكتفت بلجنة تحقق. أما الأمم المتحدة، فقد أبقت اسمه في الأوراق، لكنها لم تنتزع زيارة واحدة للصليب الأحمر طوال أحد عشر عامًا.
في هذا الملف، لا يستطيع عبدالملك الحوثي التذرع بالجهل فمهدي المشاط، بحسب بيان الأسرة وشهادة الشهود ، كان حاضرًا في موقع الزيارة الوحيدة ويشرف على اعتقاله أما عبدالقادر المرتضى، فقد أدخل قحطان في معادلة تفاوضية مهينة: حيًا مقابل 50 أسيرًا، أو ميتًا مقابل 50 جثة.
غير أن المعرفة لا تقف عندهم وحدهم. ثمة معرفة جزئية موزعة في بقايا جهاز صالح، ودوائر الأمن السياسي، ورجال المرحلة التي اختلطت فيها أدوات الدولة بحسابات الجماعة. غير أن مركز القرار، اليوم لدى مليشيا الحوثي، ومفتاح الإفصاح في يد من يملك سلطة فتح الباب أو إبقائه مغلقًا.
أحد عشر عامًا من الإخفاء تركت أسرة كاملة معلقة بين الأمل والرجاء زوجة، وأبناء وبنات وأحفاد صاغوا مئات الرسائل التي لم تصل إليه، ولم يصلهم منها رد واحد. كأن الأسرة كلها تكتب إلى رجل لا تعرف هل ما زال يقرأ.
وفي المقابل، واصلت المليشيا الحوثية استغلال الملف استغلالًا مقيتًا، فحوّلت مصير رجل إلى رصيد تفاوضي، وحق أسرته في المعرفة إلى مساحة ابتزاز وإيلام. لم تتعامل مع قحطان كإنسان له أسرة وحق واسم وتاريخ، بل كسرٍّ تحتكره لتؤذي به عائلته وتساوم به خصومها.
أما رفاق السياسة والحزب، ومعهم قيادات الشرعية، فلم يحوّلوا قضيته إلى ضغط أخلاقي وسياسي مستمر بالقدر الذي يليق برجل كان عصيًا على الركود والتجاهل، ولا يلتزم الصمت حين لا يكون الصمت فضيلة.
وهنا ينهض السؤال القاسي: هل كان العجز كله عجزًا؟ أم أن في بعض التراخي ما يشبه التواطؤ بالصمت؟ كيف خفت صوت المطالبة برجل كان أحد أبرز مهندسي المعارضة السلمية؟ وكيف صار مصير قحطان قابلًا للتأجيل، وهو الذي لم يكن يؤجل موقفًا ولا يترك خصومة سياسية بلا تسمية؟
قضية محمد قحطان لم تعد سؤالًا عن الغياب فقط. صارت سؤالًا عن كتمان الحقيقة، وعن استغلال ملف إنساني بصورة وضيعة، وعن تراجع الرفاق حين كان ينبغي أن يتقدموا. فحين تقول سلطة إن الرجل مات، ثم تنفي ضمنيًا تهديد حياته، ثم تنكر وجوده، ثم تفاوض عليه حيًا أو ميتًا، ثم تعود إلى رواية موته، فهي لا تكشف مصيره؛ إنها تكشف نفسها. وحين يطول صمت الحلفاء والرفاق، فإنهم لا ينجون من السؤال، حتى لو لم يكونوا شركاء في الجريمة.
الحقيقة ليست مفقودة. الحقيقة مكتومة. وكتمانها جريمة ثانية تُرتكب كل يوم: على رجل غاب، وعلى عائلة مُنعت من حقها في أن تعرف، وعلى بلد يحق له أن يعرف كيف صار أحد أهم صُنّاع السياسة السلمية في اليمن خارج كل صفقة، وداخل كل عتمة.
غرفة الأخبار (قراءات وتحليلات) - موقع (الأول) الإخباري



