عبد ربه منصور هادي..والسبيل للخروج من دائرة الإمامة الطائفية والمركزية الجهوية
أ.د. مسعود عمشوش 2016
لن يختلف اثنان حول حساسية المرحلة التي تمر بها بلادنا اليوم. فالنظام الإمامي الطائفي والنظام المركزي الجهوي العائلي خلفا لنا تركة ثقيلة ومركبة من الفقر والفساد والجهل والتخلف والحروب والأزمات المتنوعة. ومنذ ستينيات القرن الماضي استطاع الرئيس عبد ربه منصور هادي أن يكتسب خبرة وحنكة في المجالين السياسي والعسكري، وظفهما - منذ انتخابه رئيسا للجمهورية في 21 فبراير 2012- في سبيل تجاوز تلك التحديات التي تعصف ببلادنا، وعلى رأسها تخليص اليمن من العناصر الإمامية الطائفية التي لم تستطع ثورة 26 سبتمبر من اقتلاع جذورها، وكذلك من تلك القوى الجهوية العائلية التي دأبت هي أيضا على عرقلة تحقيق الأهداف الأخرى لثورة 26 سبتمبر، التي تنص على تحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين اليمنيين من مختلف مناطق الجمهورية.
ومن المعلوم أن القضاء على الإمامة الطائفية في الشطر الشمالي من اليمن كان من أهم أهداف قيام ثورة 26 سبتمبر، لكن هذا الهدف لم يتحقق؛ فقد ظلت مراكز النفوذ الإمامية تتربص -وبقوة السلاح- بالنظام الجمهوري الذي قام هناك عام 1962، ونجحت في انتزاع كثيرٍ من التنازلات بعد سنوات قليلة من قيام الجمهورية. وفي اعتقادي أن جزءا من تلك التنازلات رسخت عرفا ينص على عدم السماح لأي عنصر من خارج الطائفة الإمامية الوصول إلى رأس الحكم في صنعاء. ولا شك في أن تلك القوى الإمامية هي التي أدت إلى استبعاد إبراهيم الحمدي من رئاسة الجمهورية هناك في سبعينيات القرن الماضي لأنّه كان من خارجها.
وقد رأت تلك العناصر الإمامية في قيام وحدة 22 مايو 90 خطراً يهدد مصالحها بسبب اتساع الرقعة الجغرافية والسكانية المخالفة لتوجهاتها الطائفية، لذلك عادت، منذ مطلع الألفية الثالثة إلى حمل السلاح للعودة إلى مركز حكمها التاريخي في صنعاء، متكئةً على الدعم العسكري والمالي الذي تقدمه لها إيران.
ومن ناحية ثانية، يجسد وصول علي عبد الله صالح لدفة الحكم في الشطر الشمالي عام 1978 توافقا بين تلك العناصر الإمامية والقوى الجهوية هناك بهدف ضمان استمرار هيمنة المركز في صنعاء على بقية المناطق في الشطر الشمالي قبل الوحدة وعلى بقية مناطق اليمن بعد الوحدة. ومن المسلم به أن ذلك النظام المركزي الجهوي قد ظل حتى 21 فبراير 2012 يمارس مختلف أنماط الاستغلال والاستعمار في المناطق التي تقع خارج المركز صنعاء، ومارس فيها جميع أنواع الإفساد وشراء الذمم، وحرص على ربط المصالح المالية والسياسية للمسؤولين وأصحاب النفوذ فيها بالمركز مباشرة لجعلهم رهائن لديه ولضمان عدم خروجهم على طاعته والتمرد عليه، وهو أسلوب لا يختلف كثيرا عن أساليب الإمامة الطائفية. كما دأب ذلك النظام المركزي الجهوي على خلق جماعات متطرفة تمارس أعمال العنف والتخريب في كثير من مناطق اليمن، ودعمها بالمال والسلاح، وشجعها على نشر الفوضى والقيام بسلسلة الاغتيالات التي طالت العديد من القادة والضباط والعسكريين المعارضين لنهجه لاسيما في الجنوب.
وقد رأت جميع تلك العناصر الإمامية الطائفية والجهوية العائلية في انتخاب عبد ربه منصور هادي، الذي لا ينتمي إلى أيٍّ منها، خطرا حقيقيا على مصالحها، لأنه يعرقل استمرار هيمنتها السياسية والاقتصادية على مختلف مناطق اليمن. وبفضل الدعم الإيراني الكبير لها استطاعت العناصر الإمامية الطائفية، في نهاية 2014 أن تستولي على مؤسسات الدولة في مركز الحكم في صنعاء الذي طردت منه في26 سبتمبر 1962، وكذلك بمساعدة حلفائها من العناصر الأخرى التي تضررت من انتخابات 21 فبراير 2012.
وسائل الرئيس هادي للخروج من دائرة الإمامة الطائفية والمركزية الجهوية:
من المعلوم أن عبد ربه منصور هادي قد اكتسب معرفة واسعة بالأساليب التي استخدمها النظامان الإمامي والجهوي العائلي من أجل تهميش المناطق الواقعة خارج المركز صنعاء. ويدرك تماماّ أن منصب نائب الرئيس الذي أعطي له عام 1994 كان منزوع الصلاحيات. ويدرك أيضا أنّ من وقّع وحدة 22 مايو 90 لم يحرص على ضمان عدم استغلالها لممارسة الظلم، الذي كانت تمارسه صنعاء تجاه بقية مناطق الشمال، في الجنوب.
لذلك كان الهم الأول لعبد ربه منصور هادي، منذ انتخابه رئيسا للجمهورية في 21 فبراير 2012، إيجاد الوسائل المناسبة والممكنة للخروج من دائرة الإمامة الطائفية والمركزية الجهوية، وإيجاد صيغة جديدة لدولة الوحدة تضمن تحقيق حل القضية الجنوبية.
ومن تلك الوسائل: العمل على إعادة هيكلة الجيش الذي كان يحمي المصالح الجهوية المركزية، وإعطائه طابعا وطنيا، يضمن به عدم عرقلته لأية تغييرات سياسية ودستورية يقوم بها.
ورأى عبد ربه أن مؤتمر الحوار الوطني الشامل هو الوسيلة الأهم وقرر العمل من خلالها لإعادة صياغة دولة الوحدة اليمنية. فمن خلال إشرافه المباشر على التحضير لمؤتمر الحوار الشامل ومخرجاته حرص الرئيس على أن يؤسس المؤتمر لقيام نظام لامركزي يعطي لكل مناطق اليمن، وعلى رأسها الجنوب، صلاحيات واسعة تمكنها من تسيير نفسها والإشراف على أمنها وثرواتها، ويضمن كذلك لأبناء جميع المناطق المشاركة المتوازنة في تسيير الحياة السياسية والعسكرية في البلاد.
وتعكس مخرجات المؤتمر الوطني الشامل التي أقرها ووافق عليها جميع ممثلي مناطق الشمال والجنوب والمكونات المدنية والسياسية، وكذلك صياغتها القانونية التي تتضمنها مسودة الدستور الضامنة لتنفيذ مخرجات الحوار، تعكس نجاح عبد ربه منصور هادي في توجيه تلك المخرجات لتكون سبيلا يستطيع اليمن بواسطته الخروج من دائرة النظامين الإمامي الطائفي والمركزي الجهوي، والقضاء على هيمنة المركز واحتكار مناصب الدولة من قبل طائفة أو جهة أو عائلة بعينها.
وهنا ينبغي التأكيد كذلك أن عبد ربه منصور هادي، بوصفه رئيسا شرعيا منتخبا للجمهورية اليمنية ومعترفا به عربيا وإقليميا ودوليا، استطاع أن يضمن للجنوب نصف التمثيل في مؤتمر الحوار الوطني الشامل؛ لهذا يعد مؤتمر الحوار الوطني الشامل خطوة مهمة باتجاه إعادة خلق التوازن ما بين الشمال والجنوب وفق التقسيم الذي كان قائما قبل 22 مايو 90. وخارجيا أسهم الرئيس الشرعي للبلاد في إبراز القضية الجنوبية في المستويات العربية والدولية. ومن المسلم به أن صوت الرئيس الشرعي يظل أكثر فاعلية من أي صوت آخر في المحافل الدولية.
ومن الوسائل التي استخدمها الرئيس عبد ربه منصور هادي للنجاح في القضاء على العناصر الإمامية والجهوية: كسب تأييد المجتمع الدولي وبشكل خاص دعم دول مجلس التعاون الخليجي التي بادرت إلى الدعوة لمؤتمر الحوار الذي انقلبت على مخرجاته تلك العناصر الإمامية والجهوية في الشمال، والتي تسعى دون كلل لاختراق بعض المحسوبين على الصف الجنوبي ليساعدوها في عرقلة مشروع تأسيس اليمن اللامركزي الاتحادي الذي يسعى إلى تحقيقه الرئيس هادي.
وقد تجرأت تلك القوى الظلامية وانقلبت على الشرعية في صنعاء، بل أنها لم تتردد في اعتقال الرئيس الذي، بعد أن نجح في الخروج من هناك، تقدم بطلب لدول التحالف العربي بمساعدته لطرد تلك القوى من صنعاء والمناطق اليمينة الأخرى التي احتلتها بقوة السلاح الذي نهبته من معسكرات الجيش أو الذي تمدها به إيران.
واليوم، وبعد مرور ست سنوات على انتخابات 2012، وثلاث سنوات على بداية انقلاب مليشيات الحوثي والقوى الجهوية في صنعاء على الشرعية الدستورية للرئيس هادي، والحرب التي يحاولون بها إعادة عجلة التاريخ للوراء، هناك من يرى في التمسك بشرعية الرئيس هادي وبمخرجات الحوار الوطني الشامل وصياغتها القانونية في مسودة الدستور الرد المناسب لهذه الحرب التي تشنها تلك المليشيات وحلفاؤها على الشرعية.
وبالمقابل بعد اجتياح الحوثة للجنوب تبين للجنوبيين أن ذلك الرد لا يتجسد إلا في المقاومة السلمية والمسلحة للمشروع الحوثي الإمامي والإسراع في تحرير ما تبقى من مناطق الجنوب من الهيمنة المباشرة او غير المباشرة لباب اليمن.
وفي الختام نكرر ونقول إن التركة التي خلفها النظامان الإمامي الطائفي والمركزي الجهوي ثقيلة، وكان على الرئيس عبد ربه منصور هادي أن يستخدم كل الوسائل الممكنة إضافة إلى حنكته السياسية والعسكرية لتجاوز المصاعب التي أورثه إياها هذان النظامان، وذلك استنادا إلى شرعيته بوصفه رئيسا منتخبا للجمهورية، ولمخرجات الحوار الوطني الشامل الذي لم يعد مناسبا لما حدث فعلا في الجنوب.



