فتحي بن لزرق.. القلم الذي واجه العاصفة حين صمت الجميع

لا يحتاج الأمر إلى جدال عقيم، فالحقيقة ساطعة كالشمس؛ هناك من لا يروق له أن يرى أقلاماً حرة تصدح بالحق في أيامنا هذه، أيامٌ استمرأ فيها البعض رمي التهم وإلقاء اللوم على الآخرين للهروب من الفشل. لقد أثار المنشور الأخير للإعلامي فتحي بن لزرق زوبعة من ردود الأفعال، انقسمت بين استغلال إعلامي رخيص ومنحط يحاول الاصطياد في الماء العكر، وبين مديح وتبجيل مبالغ فيه. ولكننا هنا نقف لنقول "كلمة حق" مجردة من أي هوى.
فتحي بن لزرق، هذا الشخص البسيط في تعامله، والعملاق بقلمه الحر، يدرك تماماً أن لكلمة الحق ضريبة باهظة، وهو مستعد لدفعها. على مر السنوات العجاف التي مرت بها اليمن، كان فتحي هو "الرقم الصعب". لقد قام هذا الرجل الأعزل إلا من قلمه، بما عجز عن القيام به جيش من المسؤولين والقيادات. لقد دافع قلمه عن الأرض، وأصلح الكثير من الاعوجاج، وتصدر بشجاعة جبهة محاربة الفساد في أحلك الظروف وأصعبها؛ في وقت كانت فيه كبار قيادات الدولة تدير الأزمات من غرف فنادق الرياض المكيفة!
سواء اختلفنا أو اتفقنا مع فتحي بن لزرق، لا يمكن لأي شخص منصف أن ينكر رصيده الوطني الضخم. لقد تحطمت على سن قلمه الكثير من التماثيل الوهمية لمن كانوا يُطلق عليهم زوراً لقب "الهامات". قد يجادل البعض اليوم بأن استخدامه للفظ معين في منشوره الأخير (في إشارة للقوات العسكرية) كان قاسياً أو مسيئاً للجيش. نعم، قد يكون اللفظ مستفزاً للبعض، ولكن مهلاً.. ألم يحن الوقت لنقرأ ما بين السطور؟
إن منشوره يحمل أبعاداً ومدلولات وطنية عميقة؛ فهو بمنزلة "جرس إنذار" وقرع بقوة على خزان الوعي، ليذكرنا بأننا نمر بمنعطف تاريخي ومرحلة في غاية الخطورة. إذا لم يراجع كل مسؤول نفسه اليوم – سواء كان قائداً عسكرياً، أو محافظاً، أو وزيراً، أو حتى رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي – فإن العواقب ستكون كارثية. وهنا نستذكر ما قاله الرئيس العليمي في خطاباته المتكررة محذراً:
 "إننا نقف أمام مرحلة استثنائية ومصيرية من تاريخ شعبنا، وهي فرصة تاريخية يجب استغلالها لتوحيد الصف وتحمل المسؤولية بشجاعة لإنقاذ اليمن واستعادة الدولة، وأي تخاذل اليوم هو تفريط في مستقبل الأجيال."
 
لعل فتحي بن لزرق هو القلم الوحيد الذي لم ينم منذ مغادرة الحكومة للرياض؛ كان يكتب ليل نهار، يوجه، يتابع، يمتص غضب الشارع، ويهيئ عدن نفسياً وميدانياً لاستقبال الوزراء وتمكينهم من أداء أعمالهم. والمتابع المنصف يدرك أنه نجح في إيصال رسائله رغم سيل الانتقادات، وأنا شخصياً كنت من منتقديه في بعض الأحيان، خاصة عندما كانت تتفاقم الأزمات المعيشية كالغاز والكهرباء دون أن نفهم لها سبباً مقنعاً.
ولكن، ما كتبه الأستاذ فتحي مؤخراً يضع يده على الجرح النازف. إنه يعالج مشكلة كبرى تعصف بأهالي عدن والمحافظات المجاورة؛ وهي "أزمة الغاز المنزلي" والمشتقات النفطية التي شلت حركة التنمية والاقتصاد، وجعلت حياة الناس مأساة حقيقية. المواطن اليوم عاجز عن التنقل بين المناطق في ظل انقطاع الرواتب، وعدم انتظامها، وتبخر وعود الحكومة بتحسين المعيشة.
لقد تحدث فتحي عن عصابات التقطع وجبايات الطرقات التي ترفع الأسعار بشكل جنوني. لقد كان سكان عدن يأملون أن تنتهي هذه المهازل، وأن يعود سعر "دبة" البترول والغاز إلى السعر الرسمي الذي أقرته الحكومة ووزير المالية الأستاذ سالم بن بريك، والذي كان محدداً بـ (3500 ريال يمني) قبل أن تلتهمه وحوش الفساد والجبايات ليصل إلى أرقام فلكية!
فتحي بن لزرق هو الصوت المتبقي للشعب المسحوق. لقد ظننا جميعاً أن التغييرات السياسية ستجلب إصلاحات جذرية، وما زلنا نعول على ذلك. لكن الهجوم غير المسبوق على صحفي حرك المياه الراكدة بكلمة واحدة، يجعلنا نعيد حساباتنا. لم يخرج مسؤول واحد، لا من مأرب ولا من الحكومة، ليوضح الحقائق ويسكت هذه الأصوات النشاز التي هاجمت فتحي.
إن رسالة فتحي واضحة لمن يملك بصيرة: "إذا كنتم عاجزين عن تأمين الجبهة الداخلية وحماية شاحنات الغاز من قطاع الطرق، فكيف يُتوقع منكم أن تكونوا جاهزين للمواجهة الكبرى لتحرير العاصمة؟". إن تجاهل المسؤولين – الذين لم تكن أقدامهم لتطأ مطار عدن لولا تهيئة الأقلام الحرة كقلم فتحي – هو نكران للجميل.
وهنا، يجب أن نذكر تلك الأقلام التي تهاجمه اليوم بخطأ استراتيجي فادح ارتكبوه، وهو ذات الخطأ الذي ارتكبه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب  بالأمس ؛ عندما هاجم وخوّن أربعة من أشهر الإعلاميين الداعمين له من حركة (MAGA - أمريكا أولاً)، والذين كانوا سبباً رئيسياً في صعوده للرئاسة، لمجرد أنهم وجهوا له نقداً لاذعاً وصارحوه بالحقيقة. ترامب خسر الكثير بهذا الغرور، وإعلاميو مأرب اليوم يكررون نفس الحماقة بمهاجمة أكثر قلم دافع عنهم!
أتمنى من تلك الأقلام أن تعتذر، وأن تضع مصلحة اليمن فوق كل اعتبار. يجب على كل مسؤول أن يتقبل النقد البناء الذي يهدف إلى إصلاح المؤسستين العسكرية والأمنية وإعادة هيكلتها بما يحفظ كرامة المواطن والدولة.
الناس في عدن بحاجة ماسة لتلمس تحسن حقيقي في الخدمات، وتوفير المشتقات بنفس الأسعار المدعومة التي تباع بها في مأرب. قد لا يعلم البعض في مأرب حجم المعاناة في عدن بسبب استقرار الخدمات لديهم نسبياً، لكن عليهم أن يدركوا أن أبناء عدن والجنوب يتجرعون المر، وصابرون، ومحتسبون، وواقفون إلى جانبهم كالبنيان المرصوص حتى استعادة صنعاء.
لذلك، يجب الكف عن هذه المهاترات والتخوين لمن ينتقد سعياً للإصلاح. ألم يقرأ هؤلاء ما كتبه فتحي بن لزرق في أحلك الظروف حين كانت مأرب محاصرة؟ حينها لم يخف، بل سطر بحروف من نور قائلاً:
 "مأرب هي عمود الخيمة الأخير للجمهورية، وفيها يسطر الأبطال أروع الملاحم. صمود مأرب هو صمود لكل يمني حر، ولو سقطت مأرب لسقطت آخر قلاع الكرامة، فكلنا مأرب حتى النصر."
 
في الختام، على الجميع أن يدركوا أن الهم واحد، والهدف واحد، وأنه لا يصح إلا الصحيح. إما أن تعيش الناس جميعاً بكرامة وتتنعم بخيرات بلادها بالتساوي، وإلا فإن الخيارات الأخرى، القاسية والمؤلمة، ستُطرح على الطاولة.
وتحياتي.